الرئيسيةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 شـــرح منجيـــة العبيــد في علم التوحيــد .

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
طه إبراهيم

avatar

عدد المساهمات : 2
تاريخ التسجيل : 24/01/2010

مُساهمةموضوع: شـــرح منجيـــة العبيــد في علم التوحيــد .   الخميس 4 فبراير - 2:16:12

شـــرح
منجيـــة العبيــد في علم التوحيــد
للإمام السيد محمد عثمان الميرغني
( الختــم )

الأستاذ الخليفة عبد العزيز محمد الحسن



بسم الله الرحمن الرحيم
وبه الإعانة بدءً وختما وصلى الله على سيدنا محمد ذاتا ووصفا واسما
خطبة الكتاب :
الحمد لله الذي ملأ قلوب أحبابه بمعرفته وسيرهم إلى رحب حرمه وآنسهم في وحشتهم بلذيذ خطابه وسقاهم وهم ظمايا بكأس محبته فتفرد كل واحد منهم وظهر بشكل . أحمده حمد عبد مقر بوحدانيته وأشهد أن لا إله إلا الله الذي قال : ليس كمثله شيء وهو السميع البصير وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله وخير دال عليه الذي قال :(من عرف نفسه عرف ربه)(1) صلى الله عليه وآله والسائرين على نهجه.
أما بعد فرأيت منجية العبيد وقرأتها فوجدتها سفينة قد حملت في داخلها – مع صغر حجمها – جميع أصناف علم التوحيد من إلهيات ونبوّات وسمعيات فخطر في قلبي أن أحلل ألفاظها ,وتكرر الخاطر, فشرعت في ذلك راجيا من الله تعالى أن يبث فيها القبول وأن يجنبنا الغلط في حقه وهو العزيز الحكيم , ومع أني لست أهلا لمثل هذا ولكني بدأت مستعينا بالله و مستشفعاً برسوله و بشيخي.
الفقير إلى الله تعالى عبد العزيز محمد الحسن .
يقول طالب الرضى من الغني
محمد عثمان مكي الميرغني
(يقول) : فعل مضارع مأخوذ من القول والمبني للمجهول منه ثلاثاً جمعها الناظم :
أقــول لـظبي مـرّ بي وهـو راتــعٌ أأنت أخو ليلى فقال يقــــالُ
فقـلت أفـي ظـل الأراكـة والـنــقـا يقال من استظل فقال يقـال
فقلت هل يقال المستجير بأرضكم إذا جـنـى ذنـبـاً فقـال يقـال
الأول من القول والثاني من القيلولة والثالث من الإقالة وأصلها يقوول بواوين نقلت ضمة الأولى إلى القاف ثم حذفت الثانية لالتقاء الساكنين وهن بمعنى يبتدئ.(طالب) اسم فاعل من الثلاثي طلب بزنة فاعل والطلب هو الرجاء وينقسم إلى ثلاثة أقسام الأمر والنهي والدعاء وهنا من باب الدعاء .(الرضى) بالراء المشددة المكسورة وفتح الضاد ضد السخط. (من) حرف جر وحروف الخفض هي : من ,إلى ,عن ,على ,في ,رب ,الباء ,الكاف ,اللام وحروف القسم. (الغني) اسم من أسمائه تعالى وهو الذي لا يحتاج إلى السوى وفي الحديث (إِنَّ لِلّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْماً، مئَةً إِلَّا وَاحدة ، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ)(1).(محمد عثمان) وهو اسم المؤلف وحيد دهره وأوانه وغوث عصره وزمانه مؤسس الطريقة الختمية الميرغنية الذي جمع له بين الشريعة والحقيقة والذي جاهد في الله حق جهاده حتى قال فيه سيد الكونين:(ما قام بأمر الله والمؤمنين أحدٌ مثلك شكر الله سعيك, قال فقلت كيف يا رسول الله ؟ فقال تعبت في المؤمنين ونصحتهم, ما تعب فيهم أحد بعدي مثلك, فقلت أأرضالك ذلك ؟ قال أرضاني وأرضى الله فوق سبع سموات) القصة. ولد سنة 1208 هـ وانتقل إلى جوار ربه سنة 1268 هـ وأخذ الطريق على رجال عدة منهم سيدي الشيخ سعيد العامودي الصديقي ومنهم الشيخ سعيد بنا ومنهم سيدي عبد الكريم بن أحمد الهندي ومنهم سيدس السيد أحمد بن إدريس وهو عن القطب الكامل سيدي عبد الوهاب التازي وهو عن وحيد العصر وعين الحقيقة سيدي عبد العزيز الدباغ وهو عن سيدي الخضر وهو عن سيد الوجود ورسول الملك المعبود. فمن أراد التطويل فعليه بال........... وقد بنى أسس طريقته على خمس طرق وقد رمز إليها ب(نقش جم) إشارة النون إلى النقشبندية والقاف إلى القادرية والشين إلى الشاذلية والجيم إلى الجنيدية والميم إلى الميرغنية طريقة جده سيدي عبد الله المحجوب آهـ. ونسب هذا الشهم حسيني فهو السيد محمد عثمان بن السيد محمد آبي بكر بن السيد عبد اللّه المحجوب بن السيد إبراهيم بن السيد حسن بن السيد محمد أمين بن السيد علي ميرغني بن السيد حسن بن السيد ميرخورد بن السيد حيدر بن السيد ميرخورد بن السيد حسن بن السيد أحمد بن السيد علي بن السيد إبراهيم بن السيد يحيى بن السيد حسن بن السيد أبي بكر بن السيد علي بن السيد محمد بن السيد إسماعيل بن السيد بن السيد ميرخورد بن السيد عمر بن السيد علي بن السيد عثمان بن السيد علي التقي بن السيد علي الخالص بن السيد علي الهادي بن السيد محمد الجواد بن الإمام علي الرضا بن الإمام موسى الكاظم بن الإمام جعفر الصادق بن الإمام محمد الباقر بن الإمام علي زين العابدين بن الإمام الحسين بن الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وهو ابن السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنهم أجمعين .
كمل هذا الأستاذ على يد سيدي أحمد بن إدريس وعنه حدِّث فهو كالبحر لا تنقصه الدلاء وإليه نسب نفسه فرضي به شيخاً ورضي به الشيخ ابنا وتلميذاً . ومن العجائب المروية بينهم لما لقنه الذكر واشتغل به ما شاء الله دعاه يوماً وأعطاه الحزبين العظيمين وقال له هيئ لك محلاً خالياً وسدد المسام واشتغل بالذكر والعبادة فعند الظهر يأتيك الفتح من غير كلام . قال الأستاذ ففعلت كما أمرني ودخلت الخلوة فلما كان وقت الظهر وقع لي ما وعدني فرأيت سقف الخلوة انفرج ونزل عليّ نور عظيم دخل مسام ذاتي فوقعت مغشياً عليّ من الظهر إلى الضحى من اليوم التالي فلما أفقت صار جسمي كله عيوناً تنظر وأبصر من أمامي وخلفي وجميع جهاتي وكشف لي عن عالمي الملك والملكوت وشاهدت الأرض من قاف إلى قاف من محلي وغبت في حب الله , فلما استطعت القيام أتيت إليه فلما رآني قال : يا أخينا عثمان أنت إلى الآن في شهود الأكوان هـــاهـ فشاهدت الديوان واتصل شهودي بالحضرة الإلهية إلى هذا الآن ولم يزل يرقيني بلفظه ويربيني بلحظه حتى إني كنت يوماً جالساً بين يديه فسألته عن أرض السمسم فلما قلت له ما شاهدتها قال هــاهـ فوجدت نفسي في تلك الأرض, وهكذا كان حاله كلما سألته عن مقام عالٍ . ومرة كان سيدي أحمد يصلي بمزدلفة فصاح صيحة شديدة حتى فر جميع المأمومين ولم يبق معه إلا سيدي محمد عثمان, قال الراوي فسألت سيدي محمد الحسن عن هذه الصيحة فقال من غيبتهم في أنوار العرش, فإن كل من وقع له هذا الشهود لابد أن يصيح وقد وقعت لسيدي محي الدين وسيدي محمد عثمان وغيرهما ولو لا خشية الإطالة لكتبنا في فضل الأستاذين ما يبهر العقول. وقد قام الأستاذ بنشر طريقته في جميع البلاد ناهجاً بذلك سيرة خير العباد بذهابه إلى الطائف وهجرته إلى المدينة وأمره أصحابه بالهجرة إلى الحبشة, وقد فازت بلادنا بلثم نعاله ثلاث مرات الأولى عن طريق مصر والثانية عن طريق الحبشة والثالثة وصل فيها سواكن, وخلف ما يزيد على الألف خليفة, ولما رأى كثرة أتباعه ومعظمهم من العوام ألف لهم في كل فن كتاب سهل العبارة وقد خبأ فيه للعلماء دقيق الإشارة. وقد نبغ رضي الله تعالى عنه في جميع علوم عصره فمن مؤلفاته ما نحن بصدد حل ألفاظها عقيدة غراء قل النسج على منواله فيها ومنها كتاب تاج التفاسير لكلام الملك الكبير في مجلدين عظيمين وقد جمع رضي الله عنه الصحاح الستة في كتاب واحد بأسانيدها مع حذف المكرر من الحديث وسماه رحمة الأحد في اقتفاء أثر الرسول الصمد, وجمع من الأخبار الصحيحة وأقوال السلف والمواعظ وبوبه في كتاب سماه الوعظ الثمين في تعمير أعصار رمضان الثلاثين, وأمتن في سيرة الرسول نظماً بديعاً لا يماثله شيء ووضعه على الأحرف الهجائية وسماه النور البراق في مدح النبي المصداق, وله دواوين في مدح الرسول  قصيدة البوصيري (البردة) تشطيراً مخمساً وشرح ألفية ابن مالك وسماه غنية الصوفية في علم العربية , ومن مؤلفاته رضي الله عنه الفوائد البهية في حل ألفاظ الآجرومية ومنها شرح ألفية السيوطي في علم البيان ومنها شرح البيقونية في علم المصطلح وله حكم كحكم ابن عطاء الله السكندري شرحها بنفسه, وألف مجموع للأوراد يشغل به أوقات العباد حتى يوم المعاد ليفوزوا بالمراد, وله فيه راتب عظيم المقدار تتناثر عند قراءته الأنوار وله فيه أيضا توسلين أولهما حبل الوصال في التوسل بأسماء الله الحسنى والثاني توسل بأسماء الرجال. وألف صلوات على الرسول عظام ما اطلع عليهن أحد إلا وذاق حلاوتهن , وصنف كتاباً قومياً سماه الخزانة القدسية, وله رسائل عظيمة القدر في التصوف والآداب, وشرح مشكاة الأنوار لجده عبد الله الميرغني المحجوب في السيرة وسماه مصباح الأسرار. آه مختصر. وما عثر على علم إلا وفاق في التصنيف فيه. وله رضي الله عنه كرامات عظيمة منها ما روي أنه كان متوجهاً مع قافلة نحو الغرب فعطشت فالتجئوا به فرفع يديه إلى السماء وقبل أن ينزلهما هطلت الأمطار فسقى القوم, وكراماته لا تحصى فعليك بالأصل إن أردت التطوال, وقد تكلم عنه سيدي محي الدين بن عربي كلاماً كثيراً قبل ظهوره وألف فيه كتاب سماه عنقاء مغرب في معرفة ختم الأولياء وشمس المغرب. (مكي) مكة هي بلد المؤلف أي نسب نفسه إلى أصله ولك فيها لغتان بالباء وبالميم ولها فضائل لا تحصى فمع أنها صحراء وجبال فإن كل الثمرات من شتى أنواعها بها وكانت قديماً مركزاً تجارياً هاماً تمر به جميع القوافل كما هي مركز الدولة الإسلامية في البداية . الحسنات بها تضاعف كما السيئات وهي مكان وضوع خير البرية ومهبط الوحي وبها بيت الله المقدس وهي مسكن ولد إسماعيل ومن فضلها عند الله حرّم صيدها, قال القائل : كظباء مكة صيدهن حرام. أتم لله للمؤلف إضافته لها فأسكنه فيها بالمعلاة. (الميرغني) هي لقب لجده السادس ومعناها بلغة الفرس (مير) أي الشريف و(غني) ضد فقير كونها نعت وكونها بدل استبعد وقد أطلقت على أعقابهم حتى اليوم.
بسم الإله أبتدي عقيدة تنج كل سائل مفيدة
(بسم الإله) ابتدأ الشيخ ببسم الله إقتداءً بطالعة كتاب الله ولما رواه أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه: ( كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر وأقطع) أي قليل البركة وقال صلى الله عليه وسلم :(بسم الله فاتحة كل كتاب) ونقل الخطيب عن بعضهم أن كون البسملة هو الكون المختص بهذه الأمة على هذا الترتيب ونقل البستاني بسم الله من العارف بمنزلة كن من الباري وقال سيدي عبد الله المحجوب في شرحه على الصلاة المشيشية والسيد محمد عثمان في تاج التفاسير والسيد محمد سر الختام في شرحه فتح الخلاق ولبن عطاء الله في كتابه المصباح الداعي إلى الفلاح :" إن الله أوحى إلى نبي من الأنبياء قال من جاء يوم القيامة وفي صحيفته أربع آلاف بسم الله الرحمن الرحيم ركزت لواءه إلى قائمة من قوائم العرش وشفعته في اثني عشر عتيق قد استوجبوا النار ولو لم اقض على كل نفس بالموت ما قبضت روحه وما يمنعه من دخول الجنة إلا أن يحل به الموت " هذا وقد اهتم العلماء بها فألفت فيها المؤلفات فيها المصنفات العديدة هذا وهمتنا الاقتصار. ( الإله ) مأخوذ من الأله وهو التحير وقال بعضهم هو الاسم المفرد إذ لا يطلق على غيره تعالى. ( ابتدئ ) فعل مضارع بمعنى أشرع . ( عقيدة ) هي ما تنطوي عليه النفس ولا تقبل التزحزح عنه مأخوذ من عقد زيد الثوب. ( تنج ) من النجاة أي تخلص من العذاب في الدنيا والآخرة, ففي الدنيا يعامل معاملة المسلمين من نكح وإنكاح ودفن في مقابر المسلمين والصلاة عليه ويحرم دمه وماله ويتوارث هو وأبناءه و آباءه وفي الآخرة يجيب على سؤال الملكين وتكتب له السعادة في دار اليقين. ( كل سائل ) بمعنى كل طالب فيما يتعلق بربه من صفات وواجبات ومحترزات. ( مفيدة ) مأخوذة من الفائدة وهي إسداء عمل للغير يرجى النفع به, وهذه من أعظم الفوائد التي لا يستغني عنها العالم والمتعلم إذ من لا يعلم ما يتعلق بربه فهو في مرتبة البهائم وثانيا كيف يرد إذا وردت عليه شبهة في دينه فهذا كله لا يكون إلا بعلم التوحيد كما أن كل العلوم يؤخذ فيها بغير النظر في الدليل إلا التوحيد فمن كان مقلداً يجب عليه الدليل الإجمالي.
سميتها منجية العبيد من هول يوم الوعد والوعيد
( سميتها ) أي أطلقت عليها, والاسم هو ما يعرف به الشيء. ( منجية ) من النجاة بمعنى الإنقاذ أي منقذة كل من التجأ بها وطلب النجاة لان أول ما يطلب من المكلف معرفة التوحيد أول ما يسأل عنه العبد في القبر كما حققه النابلسي : ما هو ربك؟؟وبهذا تحتمل النجاء بإطلاق الحسي على المعنوي. ( العبيد ) جمع عبد والعبودية أقصى درجات التذلل والعبد لغة المملوك ممن يعقل وفي المحكم العبد هو الإنسان حراً كان أو رقيقاً لانه مملوك الباري سبحانه ونحوه في القاموس ولابن الأنباري العبد هو الخاضع لله من قولهم طريق معبدة إذا وطئها الناس وفي الأصل صفة استعمل استعمال الأعلام آهـ من فتح الخلاق, وقد عبد الله أنبياءه فقال في مقام الإيحاء:  أنزل على عبده الكتاب   وأوحى إلى عبده ما أوحى  وقال في مقام الإسراء:  سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً , قال القشيري ليس للمؤمن وصف أتم من وصفه بالعبودية . (من) حرف جر لا يتم معناها إلا مع غيرها. ( هول ) مأخوذ من هاله أي استعظمه والهول هو ما تستعظمه النفس عند النظر إليه. ( يوم ) في الدنيا مقداره أربع وعشرون ساعة زمنية وفي الآخرة عُبِّر عنه بخمسين ألف سنة تارة وتارة بألف سنة والله تعالى أعلم به. ( الوعد ) هو التبشير للمتقين بأن الجنة لهم مسكنا والنعيم لهو موطنا قال تعالى :  والذين سبقت لهم منا الحسنى اؤلئك عنها مبعدون لا يسمعون حسيسها وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون  ( الوعيد ) هو التوعد بالعذاب وقد وصف الله تعالى ذلك اليوم فقال :  يوم ترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد  وفي معنى الوعيد قال :  يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا  *** وفي كلام سيدنا عمر  ( العبد توعدني ) , أي تنجي صاحبها من ذلك العذاب لأن الأصل في التوحيد معرفة الله تعالى وقد ورد أن الرسول  قال أشفع حتى لا يبقى في النار من في قلبه مثقال ذرة من التوحيد ) (1) فهذا دليل على نجاة صاحب التوحيد. قال سيدنا أبو ذر  قال رسول الله  ( من قال لا إله إلا الله دخل الجنة قال قلت وإن زنى وإن سرق؟ قال وإن زنى وإن سرق. قلت وإن زنى وإن سرق؟ قال وإن زنى وإن سرق رغم أنف أبي ذر) (1) وإن شاء الله تعالى نتكلم في فضلها في محلها.
فالحمد لله مدى الأزمان والشكر للمولى على الإحسان
( فالحمد) الفاء عاطفة . الحمد لغة الثناء واصطلاحاً فعل ينبئ على تعظيم المنعم كما قيل :
إفادتكم النعماء من ثلاثة يد ولسان والضمير المحجبا
وقد روي أن الرسول صلى الله عليه وسلم  قال : ( كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه بحمد الله فهو أقطع) رواه أبو داود والنسائي وذكره من بعد البسملة من تمام المقصود إذ الابتداء في البسملة حقيقي وفي الحمد إضافي . ( لله ) جار ومجرور والأصل للإله خففت للتكرار فصارت لله, وفي الحديث ( لا إله إلا الله حصني ومن قالها دخل حصني ومن دخل حصني أمن عذابي) وقال بعضهم هي الاسم الأعظم. (مدى الأزمان) المدى هو المدة أي طيلة ( الأزمان ) جمع زمان وهو الدهر ويطلق على السالف والمقبل, أي الثناء لله تعالى ما دامت هذه الأيام سالفها وحاضرها ومقبلها. ( والشكر ) الواو عاطفة والشكر لغة هو عين الحمد واصطلاحا هو قيام العبد بما خلقه الله تعالى لأجله ولاستعظام هذا المقام قال تعالى :  وقليل من عبادي الشكور  . ( للمولى ) أي المتولي أمورنا ومسيرنا بقدرته وإرادته, وتطلق لمعانٍ عدة منها السيد والعبد تقول هذا مولى فلان أي عبده وهنا للسيد. ( على الإحسان ) على حرف جر والإحسان فسره سيدنا رسول الله  حين سأله سيدنا جبريل عليه السلام فقال : (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) أي أشكر الله تعالى على ما أولانا من معرفته .
ثم صلاة من به الإعانة بدءاً وختماً لنبي الضمانة
( ثم ) عاطفة . ( صلاة ) الصلاة لغة هي الدعاء قال الشاعر:
تقول بنيتي وقد غربت مــرتـــحلاً يارب جنب أبي الأوصاب والوجعا
عليك مثل الذي صليت فاغتمضي عـيـنـاً فـإن لـجـنب المـرء مضَّجـعا
واصطلاحاً التحية المقرونة بالتعظيم وهي في الشرع على ثلاثة أقسام : من الخلق إنس وجن وحيوان وطير وجماد وغيرها*** طلب الرحمة من الله, ومن الملائكة إستشفاع ومن الله الرحمة, وقول المؤلف ثم صلاةُ بالضم من بلاغته رضي الله عنه إذ الرسول  كامل ولا يجوز ترحم الناقص على الكامل فطلب الرحمة له من الله, قال تعالى :  إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً  والكلام في فضلها كثير منه ما روي عنه  : ( من صلى على في كتاب لا تزال الملائكة تستغفر له ما دام اسمي في ذلك الكتاب )(1). ومنه قوله  : ( من صلى على مرة صلى الله عليه عشرا ومن صلى على عشرا صلى الله عليه مائة ومن صلى على مائة صلى الله عليه ألفا ومن صلى على ألفا لا يفتقر أبدا وحلت له شفاعتي )(2) وقال العلماء واجبة في العمر مرة كالحمد والشهادتين إلا أربع من العلماء هم اللخمي من المالكية والطحاوي من الحنفية والحليمي من الشافعية وابن بطة من الحنابلة قالوا واجبة على كل من سمع اسمه, ولا شك أن هذا اختيار جميل. قال العلماء بوصولها دون غيرها وقال بعضهم أفضل الأذكار, وقال  من سمع اسمي ولم يصل على فقد جفاني )(3) وجفوته حرام. وتكره الصلاة عليه في مواضع جمعها بعضهم في :
ذبــح عـطـاس أو جـماع عثرة وتـعـجــب أو شـهــرة لـمـبـيـع
أو حاجة الإنسان فاعلم عندها كرهوا الصلاة على أجل شفيع
وزاد ثان:
أو عند حمام وأكل مثله ومواضع الأقذار للترفيع
وقال بعضهم إذا سمعت محمد رسول الله من المؤذن تجيبه وإن كنت في المرحاض. وقد اعتنى العلماء بها وبفضلها حتى ألفت فيها المصنفات, منهم سيدي محمد عثمان فقد جعل فصلا كاملاً من كل يوم في صلاته فتح الرسول في فضلها والثاني فيما صلى به  على ذاته الكريمة والثالث فيما صلت به الصحابة وأكمل التابعين والرابع فيما صلى به العارفون والخامس فيما صلى به المؤلف, ومنهم سيدي ابن مشيش وسيدي عبد القادر وغيرهما من العارفين والكلام فيها مشهور. قال ابن المبارك في الإبريز : قال الشيخ رضي الله عنه في قولهم الصلاة على النبي  مقبولة قطعاً من كل أحد فقال الأستاذ لا شك أن الصلاة على النبي  أفضل الأعمال وهي ذكر الملائكة الذين هم على أطراف الجنة, ومن بركة الصلاة على رسول الله أنها كلما ذكروها زادت الجنة في الاتساع حتى ينتقل الملائكة المذكورون إلى التسبيح ولا ينتقلون إليه حتى يتجلى الحق سبحانه لأهل الجنة بالجنة فإذا تجلى لهم وشاهدته الملائكة أخذوا في التسبيح فإذا أخذوا فيه وقفت الجنة واستقرت المنازل بأهلها ولو كانوا عندما خلقوا في التسبيح لم تزدد الجنة شيئاً فهذا من بركة الصلاة على النبي  , ولكن القبول لا يقطع به إلا للذات الطاهرة والقلب الطاهر فإن قائلها حينئذٍ يقولها مخلصاً وهذا معنى ما في الأحاديث من قال لا إله إلا الله دخل الجنة يعني به إذا كان طاهر الذات والقلب. قال ابن المبارك سألته رضي الله عنه لماذا تزيد الجنة بالصلاة على النبي  دون التسبيح وغيره من الأذكار فقال رضي الله عنه: لأن الجنة أصلها من نور النبي  فهي تحن إليه حنين الولد إلى أبيه وإذا سمعت ذكره انتعشت وطارت إليه لأنها تسقى منه  والملائكة الذين في أطراف الجنة وأبوابها يشتغلون بذكر النبي والصلاة عليه, عليه الصلاة والسلام فتحن الجنة إلى ذلك وتذهب نحوهم وهم في جميع نواحيها فتتسع من جميع الجهات ولو لا إرادة الله ومنعه لخرجت إلى الدنيا في حياة النبي  وتذهب معه حيث ذهب وتبيت معه حيث بات إلا أن الله منعها من الخروج إليه ليحصل الإيمان به عن طريق الغيب وقال رضي الله عنه إذا دخل النبي  وأمته الجنة فرحت بهم واتسعت وحصل لها من السرور والحبور ما لا يحصى. انتهى كلام الشيخ مع تقديم وتأخير. روى الحافظ السخاوى عن الفاكهاني أن الصلاة على نبينا  من خصوصياته دون إخوانه من الرسل وأنه ليس في القرآن ولا في غيره فيما علم صلاة من الله على غير نبينا  فهي خصوصية اختصه الله بها دون سائر الأنبياء انتهى. ( من ) اسم موصول بمعنى الذي . ( به ) الباء حرف جر والضمير مجرور يشير إلى الله تعالى ( الإعانة ) مأخوذة من العون وهو إسداء عمل للغير بعد عجزه عنه, يعني أنه لا شيء يتم إلا بالله . ( بدءاً ) في البداية أي إني استمد العون منه في بداية أمري. ( وختماً ) أي في الختامة أو في ختامة هذه العقيدة, وفي مثلها قال رسول الله  الدعاء بين السماء والأرض حتى يصلى علي ومن دعا الله ثم صلى علي استجيب دعاءه ومن كان آخر كلامه الصلاة على الرسول حلت له الشفاعة )(1) ( لنبي ) النبي مأخوذ من الإنباء وهو الإخبار والنبي في اصطلاحهم عليه قالوا هو ذكر حر بالغ من بني آدم أنزل عليه شرع وأمر بالتبليغ أم لا. وقول الأستاذ من بلاغته رضي الله عنه وتتبعه لأقوال النبي لانه  قال : ( أنا العاقب الذي لا نبي بعدي )(1) لان النبي أدنى من الرسول وبنفي الأدنى ينتفي الأعلى. ( الضمانة ) يعني بها الشفاعة, لان رسولنا من أميز الرسل يوم القيامة بالشفاعة الكبرى التي تشمل المسلم والكافر, والضمين هو المرتكز الذي يحتاج إليه في الشدائد.
وآلــه وصـحـبـه وسـلـم وبعد يا راجي النجاة فاعلم
( وآله) ينقسم إلى قسمين في الدعاء وهو كل مسلم ولو عاص وقال بعضهم هم الذين خلقوا من مائه وعليه جمع والأول راجح لكثرته والثاني مرجوح والصلاة عليهم سماعية خلاف الصحابة وهي قياسية وأما في الصدقة فلا خلاف لما روى العدوي في المشارق : ذهب بعض التابعين إلى زيد بن أرقم فسألوه عن آل الرسول الذين نزلت فيهم الآية فقال : هم ما حرم الصدقة. قيل من هم ؟ قال آل علي والمطلب وعقيل وحمزة والعباس وزاد بعضهم آل هاشم وحكمتها أنها أوساخ الناس . ( وصحبه ) جمع صاحب وهو من التقى مع رسول الله في حال حياته وهو مسلم ولو ساعة . وقوله في حال حياته اخرج من رآه مناما أو يقظة كالصوفية, ففي قولهم ليس بصحابة ولكن ينل درجة الصحابة لقوله  : ( من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي )(2) ولقوله  : (من راني في المنام فسيراني في اليقظة )(3) وفي الحديث قال رسول الله  : ( أين أحبابي ؟ قالت الصحابة ألسنا أحبابك ؟ قال : لا, أنتم أصحابي . قالوا من أحبابك يا رسول الله ؟ قال  : الذين سمعوا بي ولم يروني وصدقوا بي . قالوا وما أجرهم ؟ قال : أجر السبعين منكم ) فلذلك قال سيدي محمد سر الختام في قصيدته التي ضمنها سور القرآن الكريم مادحاً بها والده :
وكل من كان من أحزابه فله أجر سبعين ممن للنبي حضره.
والصلاة على الصحابة قياسية إذ لا نص لها منه  . ( وسلم ) بفتح السين وتشديد اللام وكسره وكسر الميم من السلام وهي التحية المقرونة بالتعظيم, ولتعظيم الله تعالي لنبيه أكدها بقوله :  وسلموا تسليماً  . ( وبعد ) الواو عاطفة وبعد لك منها أربع حالات تنصب في ثلاث مواضع أحدها أن تكون مضافة أو مخفوضة بمن , الثانية أن يحذف المضاف إليه وينوى ثبوت لفظه ولا ينونان, الثالثة أن يقطعا عن الإضافة لفظاً ولا ينوى المضاف إليه وتبنى في حالة واحدة وهي أن يحذف المضاف إليه وينوى معناه دون لفظه والمراد من نية المعنى الارتباط الحاصل بين المضاف والمضاف إليه وهي حالتها هنا ولفظها بعد بضم الدال وقال بعضهم هي فصل الخطاب الذي ذكره الله تعالى في قصة داود عليه السلام ولكن بعد زيادة ألف وميم طالعة . فالأستاذ رضي الله عنه من الحواذق الفطنا إذ قام بكل ما يطلب من المؤلف فشرع ببسم الله وعرف بنفسه لأن لا تأخذ المطلع ريبة وبين فائدة المنظومة وأوضح تسميتها وبدأ في المجازي بالحمد والشكر إذ يطلبان من المؤلف ثم صلى على الرسول وآله وأصحابه فهذه شروط التأليف . ( يا راجي ) يا حرف نداء مبنية على الفتح لا محل لها من الإعراب . راجي أي يا من يرجو ( النجاة ) هي التخلص من مهلكة وهنا الفوز في الدنيا والآخرة . ( اعلم ) بكسر الميم مأخوذ من علم إذا أحاط بالشيء علماً, يعني أريد أن أفهمك شيء خفي عليك والعلم لا يطلق إلا إذا سبقه جهل سوى علم الله تعالى فإنه انكشاف لم يسبقه جهل والمعلمين ثلاثة ملك وبشر وإلهام . واعلم أن ليس للجاهل عذر في عدم علمه بأموره الضرورية وأشرك الله العلماء معه ومع الملائكة فقال :  شهد الله أنه لا إله هو والملائكة وأولوا العلم  وقال رسول الله  : ( العلماء ورثة الأنبياء )(1) وقال : ( طلب العلم فريضة على كل مسلم ) (2) وقال الأمام علي كرم الله وجهه :
عش بعلم اقتبسته أبداً فالناس موتى وأهل العلم أحياء .
وقال الحسن البصري أطلب العلم ولو في الصين . وقال الجنيد لو علمت أن تحت أديم السماء علماً أشرف من علمنا لارتحلت إليه . وقال بعضهم لو أن الجهال عبيدي لأعتقتهم وأسقط ولائهم . أما المؤمن الصادق مع الله تعالى فإنه عالم وإن لم يجلس بين يدي مدرس لقوله  (اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله، ثم قرأ: {إن في ذلك لآيات للمتوسمين} )(3) ولقوله في الحديث القدسي : } كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به { (4)وقال الله تعالى :  اتقوا الله ويعلمكم الله  فهذا العلم لا يحصل إلا لمؤمن صادق وهذا إكرام من الله إليه وقد تجد ذلك في حالة الشيخ علي الخواص فإنه لم يجلس بين يدي شيخ ولكنه كان صاحب تقوى وكان الشيخ الشعراني ينكر عليه وعلى تلامذته إلى أن قال يوماً ما اتخذ الله ولياً جاهلاً فقال له اتخذني وعلمني يا حمار نفيسه فاحسن الظن به وتأدب بين يديه وأخذ العهد عليه فاصبح من سادة الأعلام ومثل الشيخ عبد العزيز الدباغ فان تلميذه ابن المبارك كان من العلماء الاجلاء الأكابر فسمع كلامه فانشرح صدره له, قال خلطت عليه القرآن والأحاديث القدسية والموصولة والمقطوعة والصحيحة والمعلولة فأبان عنها ونسب كل واحدة إلى أصلها فعلمت أنه صاحب ولاية جلية ووراثة محمدية, وكتابه الإبريز أفصح ناطق وأعظم شاهد بذلك . ولأولياء هذه الأمة الأميين وراثة من عند نبينا الأمي إظهاراً لقدرة الله تعالى وبياناً لحكمته. وبعد هذه المقدمة العظيمة التي
قدم الأستاذ بها عقيدته جزاه الله خير الجزاء شرع يتكلم فيما هو بصدده فقال :
بأن ربي أولاً قد أوجبا على المكلفين منهم طلبا
( بأن ) الباء حرف جر وأن حرف مصدري ونصب ( ربي ) رب مصدر بمعنى اسم فاعل أي مربني بإنعامه حساً ومعنى قال تعالى :  واسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة  وقيل هي صفة اصلها ربب بوزن حذر وقيل اصله رابب ببائين موحدتين ثم خففت بحذف الألف وادغمت إحدى البائين في الأخرى وعن بعضهم قال اصله راب بالتشديد حذفت ألفه لكثرة الاستعمال تخفيفاً ولا يطلق الرب على غير الله مطلقاً ولها معان كثيرة نظمها العلامة السجاعي رضي الله عنه فقال :
قـريـب محـيـط مـالـك ومدير مـرب كثير الخـير والمـولي للنـعـم
وخالقنا المعبود جابر كسرنا و مصلحنا و الصاحب الثـابت القدم
وجامعنا والسيد فاحـفظ لهذه معـان أتت للـرب فادعـوا لمن نظم
ونقل المناوي عن الحافظ ابن حجر قال هو الاسم المفرد آهـ. والياء ضمير المتكلم . ( أولا ) ابتداء ( قد ) حرف تحقيق ( أوجبا ) مأخوذ من الواجب والواجب في علم التوحيد هو الذي لا يقبل الانتفاء أصل بذاته ومعنى أوجبا أي حتما ( على ) حرف جر ( المكلفين ) أي من ذكور وإناث, إنس وجن البالغين سن الرشد وللتكليف حدود ونعوت فصلها الفقهاء كبلوغ الثامنة عشر أو الاحتلام أما الملائكة فمعرفة هذا جبلة لديهم فإن قلنا بوجوبها يلزم تحصيل الحاصل وقد ألف الحافظ السيوطي كتاباً منفرداً في إرسال الرسول إلى الملائكة ولكن من جهة التشريف لا التكليف من باب وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين والعالم كل شيء سوى الله تعالى وقد روي أن الرسول  سأل جبريل عليه السلام بعد نزول هذه الآية : ( هل أصبك من هذه الرحمة شيء ؟ قال نعم كنت أخشى العذاب فأُمنتُ ) (1)ومنهم ضمير يرجع للمكلفين ( طلبا ) أي طالبا منهم وافعال الطلب كما تقدم النهي والأمر والدعاء ( فائدة ) يشترط في المكلف العقل فبقولنا العاقل خرج السكران بحلال والمجنون ومن بلغ ثم تعود السكر يعاقب, قيل لمدة وقيل أبدا والمجنون حسب ما جن عليه من إيمان وكفر وبقولنا بلغته دعوة النبي قيل النبي المرسل لهم وهو الراجح عندي وقال بعضهم هو مطلق الرسول وعلى الأول فإن أهل الفترة لا يحاسبون لانهم لم يرسل لهم رسول سوى إسماعيل وعندما مات انقطعت رسالته وعلى الثاني انهم مخاطبون برسالة عيسى عليه وعلى نبينا السلام إذا بلغتهم وأجمع أهل العلم أن أصحاب الفترة لا يحاسبوا وإن عبدوا غير الله إلا في بعض الأخبار أن حاتم الطائي وامرئ القيس وغيرهم في النار لا يدل على الحكم على الجميع من أهل الفترة ومن أعظم أهل الفترة الناجين أبواه عليه الصلاة والسلام فقد أحياهم الله له تشريفا ًلقدره فآمنا به وقد قال بعضهم وهو أبي ناصر الدين :
حبى الله النبي مزيد فضل على فضل وكان به رؤوفــا
فـأحـيـا أمه وكــذا أبـــاه لإيمان بـه فـضـلا مـنـيــفا
فـسـلـم فـالقـديـم بـذا قـدير ولو كان الحديث به ضعيفا
وقال آخر :
أيـقـنـت أن أبــا الـنـبــي وأمــه أحـيــاهـم الـرب الكريم البـاري
حـتـى شـهــداء بصدق رسـالـة صــدق فـتـلـك كـرامـة الأبرار
هذا الحديث ومن يقول بضعفه فهو الضعيف عن الحقيقة عاري
وقد ورد في كتب سادتنا الصوفية أن نبي بين سيدنا محمد  يسمى خالد وقد ظهر باليمن وأهلكه قومه فمن أراد قصته ففي كتاب فصوص الحكم لسيدي محي الدين بن العربي . وقال البعض بإسلام أبي طالب وشهروا واستدلوا عليه بقول علي أنه قالها يعني الشهادتين لقول النبي  : عماه قلها لاجادل عنك أو أخاصم عنك وقد نسبوا هذا البيت إليه :
أرى أن دين محمد من خير أديان البرية دينا
فمعلوم أن الإنسان لا يختار لنفسه إلا الأفضل وكذلك عندما سأل الرسول وهو في المسجد أحد الأعراب أن يدعو لإنزال الغيث فأمطروا جمعة أي أسبوعاً, قال الأستاذ رضي الله عنه :
دعا الله أسقى الخلق غيثاً ورحمةً وسألوه رفع الوبل إذ دام جمعةً
فأتى الإعرابي في الجمعة التالية وسأل الرسول  أن يسأل الله سكون المطر فتبسم الرسول  وقال لو كان أبي طالب اليوم بيننا لقرت عينه . فقال سيدنا علي أتعني يا رسول الله قوله :
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل ؟؟
قال نعم, أي يريد تحقيق قوله في ابن أخيه وقد كان .
معرفة الجائز أي والواجب والمستحيل فاعرف المآرب
( معرفة ) المعرفة هي إدراك جازم مطابق للواقع ناشئ عن دليل كقول العالم أن الله واحد . ( الجائز ) هو الأمر الذي يستوي فيه الطرفان ( أي ) أداة تفسير ( والواجب ) الواو عاطفة والواجب هو الذي لا يقبل الانتفاء أصل لذاته . ( والمستحيل ) هو الذي لا يقبل الثبوت أصل لذاته. ( فاعرف ) أي مطلوب منك معرفة ما يجب لله وما يستحيل وما يجوز وكذلك في حق رسله وأنبيائه ( المآرب ) جمع مأرب وهو القصد .
ومعنى واجب هو الذي يرى لا ينتفي بالعقل من غير مرا
( ومعنى ) المعنى هو ما ينطوي عليه الشيء, فكأن سائل سأل الشيخ ما هو *معنى* الواجب فأجاب : ( هو ) ضمير رفع منفصل يرجع للواجب ( الذي ) اسم موصول ( يرى ) يشاهد؟؟؟؟؟؟ ( لا ينتفي ) لا نافية ينتفي فعل مضارع أي لا يقبل الانتفاء أصل لذاته ( بالعقل ) الباء حرف جر والعقل نور الهي متصل شعاعه بالرأس ( من غير ) من حرف جر وغير مأخوذ من التغيير وهو الإبدال ( مرا ) وهو مأخوذ من المراآة وهي إظهار الشيء وإضمار عكسه .
والمستحيل في العقول منعا تصور له فكن متبعا
( والمستحيل ) الواو عاطفة والمستحيل هو الذي لا يقبل الثبوت أصل لذاته . ( في ) حرف جر . ( العقول ) جمع عقل ومن كلام سيدنا علي أن العقل خلقه الله لإقامة المملكة الإنسانية لا لمعرفة ما عليه الربوبية ولا يستقيم نوره إلا إذا خلط بنور الإيمان, أما بغير طائر الإيمان فإنه لا يسمو عن الملموس والمحسوس . ( منعا ) مأخوذ من المنع وهو عدم القبول ( تصور ) تخيل ( له ) ضمير يرجع للمستحيل ( فكن ) فعل أمر يعني أيها المسلم ( متبعا ) أي لسابقك ولا تكن مبتدعاً أي تأت بأمر ما سبقك عليه إنسان بلا أصل كالحشوية وغيرهم .
فواجب أن تعتقد كل كمال لربنا وذلك فرض الإجمال
( فواجب ) أي عليك أيها المكلف ( أن تعتقد ) أي تنطوي سريرتك وتنطق علاينتك ب ( كل كمال ) الكمال ضد أي لا يتصف سبحانه وتعالى بصفة من صفات النقص كالحدوث أو ما تتصف به الحوادث . ( لربنا ) اللام لام الملكية , ربنا أي خالقنا ومربينا بإنعامه . ( وذلك ) ذلك اسم إشارة يرجع لتعتقد ( فرض ) أي شرط لا يصح الإيمان بدونه ( الإجمال ) أي الكلي الذي يطلب من كل مسلم ومسلمة والجاهل به كافر وهو اعتقاد الكمال ونفي النقص .
ثُمَّ عَلَى التَّفصِيلِ عشرُونَ صِفَة نَفسيةٌ وهي الوجودُ واحدة
( ثم ) عاطفة ( على ) حرف جر ( التفصيل ) أي على جهة التفصيل ( عشرون ) جمع تكثير ( صفة ) وهي ما يوصف به الشيء * كالعلم والحلم*, قال عشرون صفة وهي : الوجود, القدم, البقاء, المخالفة للحوادث, القيام بالنفس, الوحدانية, القدرة, الإرادة, العلم, الحياة, السمع, البصر, الكلام, كونه تعالى مريداً, كونه عالماً, كونه قادراً, كونه حياً, كونه سميعاً, كونه بصيراً, وكونه متكلماً, هذا عند الماتريدية وغالبية الأشاعرة, أما عند أبو الحسن الأشعري فهي اثني عشر صفة حذف الوجود وصفات الكينونة وهي تنقسم إلى أربعة أقسام أشار إلى الأولى بقوله ( نفسية ) وهي الصفة أو الحال الثابتة للذات غير معللة بعلة ( وهي ) ضمير يرجع لنفسية ( الوجود ) أثبتها الجمهور صفة إلا أبو الحسن الأشعري فقال هي عين الموجود ( واحدة ) تأكيد يرجع لصفة نفسية .
وخمسة سـلبيـة وهي الـقـدم كـذا البقـاء مخالفات العـدم
( وخمسة ) أي كمهن من حيث الفظ خمسة ( سلبية ) والصفة السلبية هي التي مفهومها سلب ضدها ( وهي ) ضمير يرجع للسلبية ( القدم ) أي عدم أولية الوجود ( كذا ) أي مثل ( البقاء ) وهو عدم الآخرية للوجود, وثبوت البقاء ينفي الفناء فأشار إلى هذا المعنى بقوله ( مخالفات العدم ) المخالفة هي عدم المماثلة و العدم هو الفناء, أي مخالفته للحوادث وسماها الأستاذ بالعدم لأن أولها عدم وآخرها عدم وليس في الكون أجمعه شيء قائم بنفسه فإذا ذاته غير ذواتهم وصفاته وأسمائه .
قيـامـه بالنـفـس وحدانية ضـد الـمـعاني سبعة سنية
( قيامه بالنفس ) تسلب احتياجه للغير ( وحدانية ) أي و من الصفات السلبية الوحدانية وهي عدم التعدد ( ضد المعاني )(1) الضد هو المخالف أي مغاير لما سبق إذ الصفة السلبية تسلب ضدها والصفات الآتية تثبت بعينها لموصوفها تعالى ( سبعة سنية ) أي كمها سبعة وسنية مأخوذ من السناء وه والضوء أي ظاهرة معروفة غير خافية في حقه أو إشارة إلى اتفاق العلماء من الجهتين فيها .
فـقــدرة إرادة كــــلام والعـلـم والحـيـاة يـا غـلام
( فقدرة ) الفاء عاطفة والقدرة هي صفة الإيجاد والإعدام وتتعلق بالممكن ولا تتعلق بالواجب ولا المستحيل, أما إنها تتعلق بالممكن فلأنها صفة تؤثر في الوجود والعدم والذي يقبل الوجود والعدم هو الممكن أما الواجب فهو الذي لا يقبل العدم أصل لذاته ولا أول لوجوده فلهذا وجوده حاصل وعدمه مستحيل والمستحيل هو المعدوم الذي لا يقبل الثبوت أصل لذاته, فعدمه حاصل ووجوده مستحيل, ولها بالممكن تعلقان صلوحي قديم وتنجيزي حادث أما الصلوحي القديم فصلاحية القدرة قبل إيجاد الكائنات للإيجاد والإعدام بعد خلق الكائنات وأما التنجيزي الحادث فإيجاد القدرة وإعدامها الممكن بالفعل بعد إيجاد المخلوقات , وعبروا لقبل إيجاد المخلوقات بالأزل وبعد إيجادها بما لم يزال ولذلك قال الخليفة بابكر :
أعلى التجلي بكنه الذات في الأزل يناله بك يا الله سيدي علي
قال الشيخ عبد الكريم الجيلي : القدرة قوة ذاتية لا تكون إلا لله وشأنها إبراز المعلومات إلى العالم العيني على المقتضى العلمي فهو مجلى تجلي أي مظهر أعيان معلوماته الموجودة من العدم لأنه يعلمها موجودة من عدم في علمه . آهـ
وقال الشيخ محي الدين : إن الله لم يخلق الأشياء من العدم إنما أبرزها من وجود علمي إلى وجود عيني . ( إرادة ) هي صفة ترجح وجود الشيء على عدمه أو عدمه على وجوده وتتعلق بالممكن, وأما عدم تعلقها بالواجب فلأنه مقتضيا الوجود ومنافيا للعدم وأما عدم تعلقها بالمستحيل فلأنه مقتض العدم منافياً للوجود فلا تتعلق الإرادة بهما . ( كلام ) صفة تتعلق بالواجب والمستحيل والممكن ولها تعلق واحد(1) وهو تنجيزي قديم وهو تعلق الكلام في الأزل بالواجب والمستحيل والجائز تعلق دلالة وإفهام . ( والعلم ) العلم صفة تتعلق بالواجب والمستحيل والجائز تعلق إحاطة وانكشاف دون سبق خفاء أو جهل وهو تعلق واد " تنجيزي قديم " ( والحياة ) الحياة صفة أزلية تستلزم الاتصاف بالصفات وأنها لا تتعلق ومعنى عدم تعلقها أنها لا تقتضي أمراً زائداً على قيامها بموصوفها لان معنى التعلق اقتضاء الصفة أمراً زائداً على الذات خلافاً للمعتزلة الذين يقولون بزيادة الصفة عن موصوفها ففي القدرة يقولون قادراً بذاته وليس له صفة زائدة, والصفات المتعلقة ستة فهي القدرة والإرادة والعلم والسمع والبصر والكلام أي صفات المعاني كلها تتعلق إلا الحياة وما بقي من الصفاة لا يتعلق وهي أربعة عشر . ( يا غلام ) يا حرف نداء, غلام منادى مبني على الضم في محل نصب أي يا طالب العلم.
وبصر وسمع ثم سبع تسمى معنوية تنوع
( وبصر ) البصر صفة انكشاف وتتعلق بالموجود سواء كان الموجود واجبا أو ممكنا ولا تتعلق بالمعدوم مستحيلا أو ممكناً ( وسمع ) السمع صفة انكشاف وإحاطة وتتعلق بالموجود سواء كان واجبا أو ممكناً ولا تتعلق بالمعدوم سواء كان مستحيلاً أو ممكناً وكل من السمع والبصر له ثلاث تعلقات صلوحي قديم وتنجيزي حادث, أما الصلوحي القديم فهو صلاحية السمع والبصر في الأزل للتعلق بما سيوجد من الممكنات, ثانيها التنجيزي القديم وهو تعلقها أزلاً بذاته تعالى وصفاته تعلق انكشاف, ثالثها تنجيزي حادث وهو تعلقها فعلا بالممكنات بعد وجودها تعلق إحاطة وانكشاف .
تنبيه : قد علمت أن القدرة والإرادة تتعلقان بالممكن فقط وأن تعلقيهما متغايران لأن تعلق القدرة تعلق تأثير وتعلق الإرادة تعلق تخصيص وأن العلم والكلام يتعلقان بالواجب والمستحيل والجائز وأن تعلقيهما متقابلان لأن تعلق العلم تعلق إحاطة وانكشاف وتعلق الكلام تعلق دلالة وإفهام وأن السمع والبصر يتعلقان بالموجود تعلق انكشاف إلا أن الانكشاف بالسمع يغاير الانكشاف بالبصر كما أن الانكشاف بالسمع والبصر يغاير الانكشاف بالعلم والله أعلم .
( ثم سبع ) كمها سبع ( تسمى ) يطلق عليها المتكلمون ( معنوية ) هي الصفة التي ثبوتها لموصوفها تابع لصفة أخرى ككونه تعالى مريداً تابع للإرادة, وأسقطها أبو الحسن الأشعري لدلالة صفة المعنى عليها وهي صفات الكون أو الحال وهي اللاموجودة ولا معدومة وأن الصفات المعنوية أمور اعتبارية لابد اعتبارها في الذهن وإن لم يكن لها ثبوت في خارج الأذهان, وإن كان الأشعري ينفي ثبوتها في النفس ألا أنه لا ينفي اعتبارها . والحال ثابتة في الخارج ولا يصح أن ترى وحقها أن تشاهد بحاسة البصر لولا الحجاب . ( تنوع ) التنوع هو التشكل أي فيها اختلاف في ثبوتها بين المتكلمين .
فقـادر مريـد هـو الحـي وعـالــم مـتـكلـم عــلـي
( فقادر ) أي كونه قادر والكون هو الصفة أي وهو قادر بقدرة واحدة موجودة قديمة قائمة بذاته يوجد بها الممكن ويعدمه وفق مراده ( مريد ) أي كونه مريد أي بإرادة واحدة موجودة قديمة قائمة بذاته تتعلق بالممكنات على طبق ما علم حتى المعاصي إذ الإرادة غير الأمر عند أهل السنة . ( وهو ) ضمير يرجع لذاته تعالى ( الحي ) أي كونه حياً بدليل إن لم يكن حياً لما اتصف بالصفات فلا يوجد شي من العالم, وضد الحياة الموت والموت مستحيل, وذهب أجلاء الصوفية وعلمائهم كسيدي محي الدين بن العربي وسيدي عبد الكريم الجيلي وسيدي محمد عثمان الميرغني وسيدي محمد الحسن الميرغني – وقد تخصص في هذا الاسم حتى امتزج به – ذهبوا جميعاً إلى أنه الاسم المفرد, إذ هو أول تعينات الذات ولولا الحياة لما اتصف سبحانه وتعالى بالصفات الأُخر وهي ليست متعلقة بغيره تعالى كما تقدم في صفات المعنى, هذا وقد قال الأستاذ الختم رضي الله عنه مدد طريقتنا في اسم الحي القيوم والصلاة الذاتية . ( وعالم ) أي كونه عالم بالكليات والجزئيات وما كان وما يكون وما لم يكن ولا يقال على علمه يحتاج إلى التأمل أو مما في معنى الجهل, ومستحيل عليه تعالى الظن والغفلة والنسيان والنوم واشتغاله بشأن عن شأن . ( ومتكلم ) أي كونه متكلم بكلام لا بصوت ولا بحرف قائم كلامه بذاته وفي قوله تعالى :  وكلم الله موسى تكليما  أي خلق الله فيه فهماً وهو إن لم يكن متكلماً كان أبكماً والبكم محال عليه . ( عليُّ ) أي رفيع المكانة أي لا يساوى بشيء من الحوادث, قال تعالى :  ليس كمثله شيء وهو السميع البصير  .
وهو السميع والبصير جلا عن ضدها الجميع فاحص النقلا
( وهو ) ضمير يرجع لذاته تعالى أي متصف بكونه ( السميع ) أي سميع بالموجودات إن كانت مسموعات أو سواها ولو لم يكن سميعاً لاتصف بالصمم وهو مستحيل في حقه تعالى . ( والبصير ) أي كونه بصيراً بالموجودات إن كانت مبصرة أو سواها ولو لم يكن بصيراً لاتصف بالعمى وهو في حقه تعالى مستحيل ( جلا ) أي عظم شأنه وتجلت أفعاله عن النقائص ( عن ضدها ) عن حرف جر ضدها أي المغاير لمفهومها كالعلم والمغاير لمفهومه الجهل . ( الجميع ) أي ضد مفاهيم صفاته كالعدم والحدوث والفناء والمماثلة للحوادث وما أتى في القرآن والحديث من ألفاظ مماثلة للحوادث أي يحمل على معنى يليق بذاته تعالى ولأهل الحق فيه مذهبان الأول للسلف وهو التفويض(1) وهو أسلم, والثاني للخلف وهو التأويل(2) وهو أعلم, ونورد هنا بعض الآيات والأحاديث ونأولها على المذهبين لدفع الشُّبه والله الموفق . قال تعالى  يد الله فوق أيديهم   ويبقى وجه ربك   تجري بأعيننا   الرحمن على العرش استوى   وجاء ربك والملك صفاً صفاً  وقال رسول الله  : ( إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابـع الرحمن. كقلب واحد. يصرفه حيث يشاء ) (1) وفي الحديث القدسي : ( لم يسعني سمائي ولا أرضي ووسعني قلب عبدي المؤمن اللين الوادع ) (2)وقد اتفق فريقي الحق على تأويل هذه النصوص وصرفها عن ظاهرها وفيها يقول السلف : ظاهر هذه النصوص غير مراد الله بل أراد منها معانٍ أخرى هو تعالى أعلم بها والخلف يصرفونها عن ظاهرها ويحملونها على معانٍ تليق به تعالى ويبينون تلك المعاني, فيحملون اليد في قوله تعالى :  يد الله فوق أيديهم  على القدرة, ويحملون الوجه في قوله تعالى : ويبقى وجه ربك  على الذات, ويحملون العين في :  تجري بأعيننا  على القدرة والإرادة أو العلم, ويحملون الاستواء في قوله تعالى :  الرحمن على العرش استوى  على الاستيلاء والملك, ويحملون المجيء في قوله تعالى :  وجاء ربك  على مجيء أمر الله, ويحملون الأصابع في قوله  : (إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابـع الرحمن ) على صفتين من صفاته تعالى وهما القدرة والإرادة ويحملون وسعني في : ( إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابـع الرحمن ) على وسع هيبتي والأمانة في قوله تعالى :  إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض  الآية وذهب غير أهل الحق إلى إبقاء النصوص بعينها وعدم تأويلها حتى قالوا أن الله جسم وقال آخرون في جهة نعوذ بالله من معتقدهم, فالأخذ بظواهر هذه النصوص وعدم تأويلها أصل من أصول الكفر فيجب على المكلف أن لا يحيد عن طريق أهل الحق لأنها سبيل النجاة . ومن المستحيل في حقه تعالى الاحتياج للغير والتعدد في الذات وعدم القدرة والجهل والصمم والبكم والموت وكذلك في صفات الكون . ( فاحص النقلا ) الفاء سببية, أحص أي أتقن ولا تزيد على ما قلنا و النقلا أي المنقول من عقائد أهل الحق لأن الوقوف معهم فيه السلامة .
وقد تعـلـقـت إرادة الولي بالممكنات معها قدرة العلي
( وقد ) قد حرف تحقيق ( تعلقت ) أي طلبت أمراً زائداً على قيامها بموصوفها ( إرادة ) هي صفة تخصص الممكن ببعض الأمور المتقابلة عليه ( الولي ) أي المتولي تصريف أمور ملكه بدون معاون ( بالممكنات ) الباء حرف جر, الممكنات جمع ممكن وهو الجائز عدمه وإيجاده ويعبر عنه مرة بالجائز( معها ) أي مرافقة لها ( قدرة ) هي صفة إيجاد وإعدام على وفق مراده تعالى ( العلي ) هو اسم من أسماءه تعالى .
بكل معلوماته تعلقا العلم والكلام فاحفظ ترقى
( بكل ) الباء حرف جر, كل أي جميع ( معلوماته ) أي الموجودة في علم الله تعالى من واجب وجائز ومستحيل ( تعلقا ) أي طلب أمراً زائداً على قيامها بموصوفها ( العلم والكلام ) أي تعلق علم الله تعالى الذي ليس مسبوقاً بجهل وكلامه الذي لا بحرف ولا بصوت تعلقا بكل من الواجبات والمستحيلات والجائزات ( فاحفظ ) ما قلته لك واعتقده واعمل به ( ترقى ) أي ترتفع عن الدرجة التي أنت فيها إلى درجة معرفة الله تعالى, أي تصير من الموحدين الذين يعرفون ربهم .
تعلق السمع كذاك البصر بكل موجوداته تبصر
( تعلق ) أي طلب السمع والبصر أمراً زائداً على قيامهما بموصوفهما ( السمع ) وهو لا بثقب ولا بأذن بكل موجود سواء كان مسموعاً أو غير مسموع وسواء كان واجبا أو ممكناً ولا يتعلق بالمعدوم سواء كان ممكناً أو مستحيلاً وله تعلقات ثلاث كما تقدم أحدها صلوحي قديم وثانيها تنجيزي قديم وثالثها تنجيزي حادث فأن أردت التوضيح عليك بمراجعة صفات المعاني ( كذاك ) أي وأيضاً ( البصر ) الذي لا بحدق ولا بغيره يتعلق بالموجود سواء كان واجباً أو جائزاً ولا يتعلق بالمعدوم سواء كان ممكناً أو مستحيلاً ولها ثلاث تعلقات كما تقدم في صفات المعاني ( بكل ) أي بجميع ( موجوداته ) أي كل ما أوجده إن كان واجباً أو ممكناً ( تبصر ) أي انظر نعين بصيرتك .
أمـا الحيـاة لا تعـلـق لـها وكل نقص أنف عن رب النهى
( أما ) أما، بالفتـح، فهو لافتتاح الكلام كما في لسان العرب ** ( الحياة ) أي صفة الحياة ( لا ) نافية ( تعلق )اقتضاء الصفة أمراً زائداً على * قيامها ب *موصوفها ( لها ) ضمير يرجع للحياة, أي أن الحياة لا تتعلق بشيء سوى قيامها بموصوفها تعالى ( وكل ) أي جميع ( نقص ) أي كل شيء ينقص عن قيام الذات بوظيفة الربوبية من بكم وتعدد في الذات وعمى . . . الخ . ( أنف ) أي منفي أو لا مثبت أي لا تعتقده ولا تقره ( عن رب ) عن حرف جر, رب أي مربي الخلق بالنعم الظاهرة والباطنة وقد ذكرنا الاختلاف فيها سابقاً ( النهى ) أي صفاته الكمالية لا تتناهى ولا يحيط بها الحد ولا يسعها علمنا, وإنما كلفنا حسب علمنا بالعشرين وأما كمالاته فلا تتناهى .
واخش اعتقاد الجبر والحلول والاتحاد لا تكن فضولي

( واخش) أي تجنب ( اعتقاد ) أي عقيدة ( الجبر ) أي الجبرية وهو قوم الفئة الضالة وعقيدتهم أن العبد مجبور ظاهراً وباطناً وضربوا له مثلاً بالخيط المعلق تميل به الريح من غير اختيار له ومرادهم من ذلك إسقاط التكاليف الشرعية. ( والحلول ) أي الحلوليين وهم قوم أيضاً من الضالين وهم يعتقدون أن الله حل في عيسى وأمه فجعلوه ثالوث, أم وابن وروح القدس, فالمولى جل وعلا أن يحل في شيء أو يحل فيه شيء ولهذا المعنى أشار سيد الطائفة الجنيد رضي الله تعالى عنه : إذا قرن الحادث بالقديم لم يبق للحادث أمر مستقيم . ( والاتحاد ) وهو الامتزاج بحيث لا اثنينية وهو كذلك عقيدة للنصارى حيث قالوا أن الله اتحد مع مريم فاخرج عيسى وهي عقائد تؤدي بصاحبها إلى الكفر بعينه ولهذا نهى عنها الشيخ لأن لا يتبعها المسلم فيهلك ونعوذ بالله منها, ولا يباح لاحد من المسلمين الاطلاع على معتقداتهم حتى تكون عقيدة أهل السنة متمكنة من قلبه فهناك يباح له الاطلاع للرد عليهم . ( لا ) ناهية ( تكن ) فعل مضارع مجزوم بلا الناهية ( فضولي ) أي متدخلاً فيما لا يعنيك ولا أنت مطالب به .
ومن حكـم بالعلة أو بالطبع
أو بالقوى لكفـره مستدع
( ومن ) من اسم موصول بمعنى الذي ( حكم ) أي قال ( بالعلة ) أي ربنا علة أو كقولهم بعض الأشياء علة في وجود أشياء أُخر من غير أن يكون لله سبحانه وتعالى اختيار وتأثير. (أو ) أداة عطف. ( بالطبع ) أي أن الأشياء تؤثر بطبعها من غير أن يكون لله تعالى إرادة واختيار كفعل الحرق للنار والقطع للسكين والري للماء والشبع للطعام وهي عقيدة الدهرية قديما والشيوعية حديثاً وصاحبها كافر. (أو بالقوى )وهي قول من قال أن الأشياء لما خلقها الله تعالى أودع فيها قوة الفعل وتركها تفعل بقدرتها المودعة فيها من غير احتياج لقدرة الله تعالى فكأن المولى جل وعلا مارس التصرف في خلقه مرة واحدة ثم ترك الخلق يفعلون ما يشاءون وهي من عقائد المعتزلة والمشهور من قول المشايخ فيهم أنهم ليسوا بكفار وإن كانوا يبدعون ويفسقون بالعقيدة. ( لكفره مستدع ) أي جلب الأسباب التي تكفره باعتقاده الباطل الفاسد.
لأنه يميل للتسلسل
والدور وهو خاسر مزلزل
( لانه ) اللام لام التعليل وأن حرف مصدري ونصب والهاء ضمير يرجع لصاحب المعتقدات الثلاث. (يميل ) أي يتطلب ( التسلسل ) هو عدم الآخرية ويلزم حوادث لا أول لها كاعتقاد الفلسفي أن العالم قديم لا أول له مع أنه حادث. ( والدور ) هو توقف وجود الثاني على وجود الأول وهو يلزم تقدم المحدث وتأخره. ( وهو ) ضمير يرجع للذاهب للدور والتسلسل. ( خاسر ) أي افتقد دينه ودنياه. (مزلزل ) أي غير ثابت العقيدة في ربه سبحانه وتعالى.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
طه إبراهيم

avatar

عدد المساهمات : 2
تاريخ التسجيل : 24/01/2010

مُساهمةموضوع: رد: شـــرح منجيـــة العبيــد في علم التوحيــد .   الخميس 4 فبراير - 2:19:50

والمستحيل ضد ما تقدما
في حق مولانا اعتقد والزما
( والمستحيل ) هو الذي لا يقبل الثبوت أـصل لذاته, لما أثبت الصفات الواجبة في حقه تعالى جعل في مقابلها الصفات التي يستحيل اتصاف المولى بواحدة منها. ( ضد ) أي مخالف. ( ما ) موصولة بمعنى الذي. ( تقدما ) أي سبق في هذه العقيدة. (ف ) حرف جر. ( حق ) يعني ما يستحق أو ما يجب. ( مولانا ) أي المتولي أمورنا. ( اعتقد ) أربط عليها نفسك ولا تحد عنها. ( والزما ) لازم على اعتقادك لها, ولما كانت الصفات الواجبة مفهومها سلب ضدها لم يكتف الشيخ رضي الله عنه بمفهومها حتى شرع يبين المستحيل لخطورة الجهل بهذه العقيدة فقال :
فعدم ثم الحدوث والفنا
مماثلات الخلق نزه ربنا
( فعدم ) الفاء عاطفة وعدم هو ضد الوجود ولما اتصف المولى بالوجود انتفى العدم. ( ثم الحدوث ) ثم عاطفة, الحدوث ضد القدم فوجب في حقه القدم ونفي الحدوث. ( والفنا ) ضد البقاء, فوجب البقاء واستحال الفناء أي العدم اللاحق ولما كان هذا العلم لا يكتفى فيه بالكليات كان لزوما فيه التفصيل فعطف الحدوث والفناء على العدم لا يفيد المغايرة وإنما هو عطف اللازم على الملزوم أو قل من عطف الخاص على العام. ( مماثلات الخلق ) المماثلة هي المشابهة والخلق هو الموجود بعد عدم وضدها مخالفات الحوادث فثبتت له ونفت المماثلة.
( نزه ربنا ) أي لا تماثله بالخلق ,لانه خلق الخلق فكيف يماثلهم فذاته تعالى ليست بجرم تأخذ قدرا من الفراغ وأنها ليست بعرض تقوم بالأجرام وأنها ليست في جهة من الجهات الست وأنها لا تتقيد بمكان ولا زمان وأنها لا تتصف بالكبر و الصغر وأن أفعاله تعالى لا تتصف بالأغراض في الأفعال والأحكام وأن ما ورد في الآيات والأحاديث ويفيد المماثلة بظاهره يجب صرفه عن ظاهره وتأويله بما يليق بذات المولى جل وعز وهو من باب المتشابه وأهل السنة في ذلك فريقين : السلف والخلفز أما السلف فيؤمنون به من غير تأويل منهم وصرف المراد إلى الله تعالى كقول الإمام مالك لما سأله سائل عن قول الله تعالى :  الرحمن على العرش استوى قال : الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة. والخلف يأولون ذلك المتشابه ويخرجونه عن ظاهره حتى يليق بذات المولى جل وعلا , فالاستواء يجعلونه من باب الاستيلاء والملك وحاصل الأمر أن عقيدة السلف أسلم وعقيدة الخلف أعلم. أما الحشوية الذين أرادوا أن يجعلوا من هذه الآيات والأحاديث أدلة لأفهامهم السقيمة ونفوسهم اللئيمة فجعلوه تعالى يصور وينزل ويجلس ويستقر فإنهم لا قدسوه ولا نزهوه وقد خالفوا السلف في التفويض وخالفوا الخلف في التقديس والتنزيه.
وعن الاحتياج والتعدد اعلم
والعجز والإكراه والجهل افهم
( وعن ) الواو عاطفة, عن حرف جر. ( الاحتياج ) ضد القيام بالنفس فثبت ونفى الاحتياج. ( والتعدد ) ضد الوحدانية فأثبتها ونفى التعدد. ( اعلم ) أي كن عالما بها. ( والعجز ) ضد القدرة فثبتت ونفى العجز. ( والإكراه ) ضد الإرادة فثبتت ونفى الإكراه. ( والجهل ) ضد العلم فثبت ونفى الجهل. ( افهم ) أي كن فاهما لما قلنا.
والموت ثم بكم ثم عما
وصمم ضد معنوي الزما
( والموت ) ضده الحياة فثبتت وانتفى الموت. ( ثم بكم ) ضده الكلام فثبت له تعالى وانتفى البكم. ( ثم عمى ) ضده البصر فثبت له تعالى واستحال العمى. ( وصمم ) ضده السمع فثبت له تعال السمع وانتفى الصمم. ( ضد ) أي بالتنكير لشمول المعنى. ( معنوي ) أي ضد الصفات المعنوية وهي صفات الكون. ( الزما ) أي اثبت عليه واعتقده في جنانك.
والجائز المعلوم في حق العظيم
إسعاد عاص وإشقاء مستقيم
( والجائز ) هو الذي يستوي وجوده وعدمه أو ما صح نفيه وثبوته. ( المعلوم ) اسم مفعول أي قد عُلِمَ في حقه تعالى. ( في حق ) في إيجاد قدرته وتخصيص إرادته. ( العظيم ) اسم من أسمائه تعالى والعظيم هو المتفرد بالكمال. ( إسعاد ) أي جلب السعادة, والإسعاد عند الأشعري الإماتة على الإيمان والسعادة الموت على الإيمان وهي أثر الإسعاد والسعادة مقدرة وكل منهما حادث فالسعادة والإسعاد عند الأشعري لا يتبدلان وقال الماتريدية السعيد هو المؤمن والسعادة حادثة وهي الإيمان تتبدل والإسعاد قديم لا يتبدل لانه يرجع لصفة اسمها التكوين موجودة قائمة بذاته تعالى بها وجود الأشياء عند القدرة لأن القدرة عند الماتريدية بها صحة التأثير في الممكن ولا يجب على الله تعالى فعل الصلاح والأصلح مع خلقه بدليل وقوع البلايا على الأطفال والطيور, لأنه ليس لخلقه عليه حق بل الكل عبيده خلافاً للمعتزلة. ( عاص ) أي من عصى الله في الأمور التي كلفه بها. ( وإشقاء ) أي شقاوه وتحقيقها كما قلنا في السعادة. ( مستقيم ) أي مستقيم الحال, نعم له في حقه التبديل ولكن بعد وجد السبب فلنا في هذه المسائل نظرين إن قلنا دخول الجنة بالأعمال كما نجد في ظاهر بعض الآيات لا بد من وجود السبب وإن قلنا بفضله تعالى وهو الظاهر, له حق التبديل بلا سبب, ولذلك قال رسول الله  : ( ... فإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع, فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة, وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار) (1) وأمثلتها كثيرة منها ما حكى صاحب الروض الفائق, قال : كان أخوين أحدهما متعبد والثاني فاسق وترك لهم أبوهم قصر من طابقين فقعد المتعبد في الطابق الأعلى والفاسق في الأسفل وكان المتعبد قد قضى أربعين عاما وهو على حاله وذات يوم دخل عليه الشيطان فقال قد بقى من عمرك مقدار ما فقدت فانزل إلى أخيك لتلهو معه وعند قرب الأجل ارجع إلى عبادتك, وذهب بعض الملائكة إلى الفاسق وقالوا له قد بقي من عمرك ساعات قلائل, تب إلى ربك وارجع فتاب ونوى الصعود إلى أخيه العابد ليتعبد معه والعابد نوى النزول ليلهم معه, قال فقام العابد نحو السلم وحين وضع رجله عليه فلتت ووقع على أخيه فماتا فذهب العابد إلى النار لانه نوى اللهو وذهب الفاسق إلى الجنة لانه نوى التوبة وهكذا يفعل الله بعباده. اللهم اجعلنا من أصحاب حسن الخاتمة.
ورؤية المولى مناماً جائزة
في الدنيا وفي الأخرى عيانا واردة
( ورؤية ) أي نظر. ( المولى ) المتولي أمورنا. ( مناماً ) صفة مشبهة مأخوذة من النوم أي في النوم. ( جائزة ) أي ممكنة ( في الدنيا ) يعني في دار الدنيا واحترز بقوله مناما فمن قال إني رأيت الله فإنه يكذب ويسمى صاحب بدعة لانه لم ير الله تعالى في الدنيا يقظة سوى نبينا محمد  في ليلة الإسراء, هذا بحاسة البصر أما بالقلب والجنان فلا خلاف لانه من باب قول رسول الله  : ( أن تعبد الله كأنك تراه ) (1). ومناما قد حصلت كثيراً, مثل الإمام أحمد قال رأيت الله تسعة وتسعين مرة وإن تمت المائة لأسأله بم يتقرب إليه المتقربون, قال فنمت فرأيته فسألته بم يتقرب إليك المتقربون ؟ قال : بكلامي يا أحمد قلت بفهم أو بغير فهم, قال بفهم وبغير فهم. ومنها أن أبا يزيد البسطامي قال : رأيت الله قال كل الناس أطلبهم إلا أبا يزيد فإنه يطلبني. والتعليل لانه كثير المحبة حتى قال لو أدخلتني النار يا ربي لأخبر أهل النار أني أحبك, وكثير مثله فلأن شيخنا يحافظ على المسلمين من أن يقعوا في البدع قيدها ب (مناماً) وقد قالوا بجوازها مطلق جوازها سواء مناماً أو يقظةً واستدلوا بقوله تعالى حكاية عن سيدنا موسى :  رب ارني انظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني  والاستدلال بها من وجهين أحدهما أن سيدنا موسى  سأل الله الرؤية فلو كانت غير ممكنة ما سأله إياها والثاني أن الله تعالى علقها بممكن وهو استقرار الجبل والمعلق على الممكن ممكن. ( وفي الأخرى ) أي رؤية الله تعالى بعد البعث ( عياناً ) بحاسة البصر. ( واردة ) أي أتى بها الكتاب والسنة فقد قال الله تعالى في حق المؤمنين : على الأرائك ينظرون   وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة   للذين أحسنوا الحسنى وزيادة  فالحسنى الجنة والزيادة رؤية الله تعالى كم قال الجمهور, وفي حق الكافرين :  كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون  أما السنة فمنها قوله  ( إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته .. ) (1). وأجمع الصحابة على وقوعها وكيفيتها انكشافه تعالى للرائين بأبصارهم انكشافا تاما من غير أن يكون في جهة أو مقابلاً للرائي أو محدوداً أو محصوراً وبدون تكييف بأي كيفية من كيفيات رؤية الحوادث. ثم شرع يتكلم في القسم الثاني من أقسام التوحيد فقال :
وواجب أن تعتقد في الرسل
أمانة صدق وتبليغ جلي
( وواجب ) الواجب أي الذي لا يقبل الانتفاء أصل لذاته أي يجب ( أن تعتقد ) أن تنطوي عقيدة المكلف ( في الرسل ) يعني اعتقاده في الرسل وهم جمع رسول وهو ذكر حر بالغ من بني آدم أنزل الله إليه شرع وأمره بالتبليغ وعددهم ثلاثمائة وثلاثة عشر والواجب معرفتهم تفصيلا منهم خمسة وعشرون هم المذكورون في القرآن الكريم. ( أمانة ) وهي ضد الخيانة ومعناها حفظ الله تعالى بواطن الرسل وظواهرهم من التلبيس المنهي عنه ولو نهي كراهة ولو في حالة الطفولة وهي المسماة بالعصمة أي محال عليهم أن يخونوا ونحن مأمورون باتباعهم من عند الله والله لا يأمر بالفحشاء. ( صدق ) أي في دعواهم الرسالة وفي تبيينهم الأحكام وأنه لو جاز عليهم الكذب للزم الكذب في خبره تعالى لأنه تعالى صدقهم بالمعجزة وتصديق الكاذب كذب والكذب محال في حقه تعالى, والمعجزة هي أمر خارق للعادة يظهره الله على يدي مدعي النبوة بالتحدي والأمور الخارقة للعادة ستة جمعها بعضهم في قوله :
إذا ما رأيت الأمر يخرق عادة
فمعجزة إن من نبي لها صدر
وإن بان منه قبل وصف نبوة
فالإرهاص سمه تتبع القوم في الأمر وإن جاء يوما من ولي فإنه
الكرامة في التحقيق عند ذوي النظر وإن كان من بعض العوام صدوره
فكنــوه حقـــا بالـمـعـونــة واشـتـهــر
ومن فاسق إن كان وفق مراده
يسمى بالاستدراج فيما قد اشتهر وإلا فيدعى بالإهانة عندهم
وقـــد تــمت الأقسـام عنـد الذي خبر ( وتبليغ ) أي إيصال الأحكام التي أمروا بها إلى المرسل إليهم إذ هم مأمورون بالتبليغ قال تعالى :  يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك  ولا يتم التبشير والإنذار إلا بالبلاغ. وأما الذي لهم الخيار فيه فكتمانه عن أهله حرام وأما الذي اختصوا به فهو لهم, فأتى الشيخ بثلاث واجبات فيحق الرسل وبقي واحدة وهي الفطانة بفتح الفاء وهي حدة العقل وذكائه فلا يجوز أن يكون الرسول مغفلاً أو أبلهاً أو بليداً لأنه أرسل لإقامة الحجج وإبطال شبه المجادلين ولا يصح ذلك من بليد إذ البلادة نقص يخل برسالته فهي محال عليهم. ( جلي ) الجلي هو الواضح وهو يرجع لصفات الرسل ثم شرع في الأمور المستحيلة عليهم فقال :
ويستحيل اعتقاد فيهم
خيانة كذب وكتم أحصيهم
( ويستحيل ) أي في حق الرسل وهو الذي لا يقبل الثبوت أصلا لذاته. ( اعتقاد ) بالتنوين يعني أن يعتقد المكلف. ( فيهم ) ضمير يرجع للرسل أي في حقهم. ( خيانة ) أي فعل المحرمات والمكروهات. ( كذب ) وهو عدم مطابقة الخبر للواقع. ( وكتم ) وهو عدم الوفاء بما أمروا بتبليغه للخلق. ( أحصيهم ) يعني احص ما في حقهم محصي من واجبات ومستحيلات ثم شرع يتكلم في الجائز في حقهم فقال :
وجائزٌ في حقِّهم كالأكلِ
والشربِ والجماعِ موتٍ أملِ
( وجائزٌ ) هو الذي يقبل الثبوت والانتفاء وجائز عليهم كل عرض بشري لا يخل برسالتهم. ( في حقهم ) أي في حق الرسل. ( كالأكل )أي يجوز في حقهم الأكل إلا الذي يستغنوا عنه فهم مخيرون*. ( والشرب ) وكذلك جميع المشروبات غلا المسكرات المحرمة على العامة وباب أولى عليهم. ( والجماع ) وهو النكاح بما أحل الله لهم من النساء. ( موت ) أي انتقال من دار إلى دار, فحياته الدنيا* كلها يقضونها في طلب إيمان كفار قومهم وتبليغ ما أمروا به, وأما حياتهم الروحية وسريانها في الوجود فلا شك فيها واجمعوا عليها إلا الفئات الضالة, وقولنا من دار إلى دار لأنه  في ليلة الإسراء صلى بالنبيين مع علمنا أنهم ماتوا في حياتهم الدنيا وعندما صعد  إلى السماء وجد آدم ويحي وعيسى ويوسف وإدريس وهارون وموسى وإبراهيم عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام وتكلم معهم وسألهم وأرشدوه وبكلى آدم وضحك وبكى موسى وردده وتكلم معه إبراهيم وأمره بتبليغ السلام إلى أمته وهذا كله فعل الأحياء, وقال  : ( من صلى علىّ بالمدينة سمعته ومن صلى على نائيا أبلغته ) وفي فتح الباري : (من صلى علي عند قبري سمعته، ومن صلى علي نائيا بلغته )(1) وعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «أَكْثِرُوا الصَّلاَةَ عَلَيَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. فَإِنَّهُ مَشْهُودٌ تَشْهَدُهُ الْمَلاَئِكَةُ. وَإِنَّ أَحَداً لَنْ يُصَلِّيَ عَلَيَّ إِلاَّ عُرِضَتْ عَلَيَّ صَلاَتُهُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهَا» قَالَ قُلْتُ: وَبَعْدَ الْمَوْتِ؟ قَالَ: «وَبَعْدَ الْمَوْتِ. إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى الأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الأَنْبِيَاءِ. فَنَبِيُّ اللَّهِ حَيٌّ يُرْزَقُ».(2) وكإخراج يده الشريفة للقطب الرفاعي, ويعني الشيخ الموت العارض المثبوت في قوله تعالى :  إنك ميت  الآية .أي لابد لك من ذوقه على جهة السنة إذ ورد في البحر المورود في فضل البسملة : ( وإن لم اقل كل نفس ذائقة الموت لم أقبض روحه ) هذا في فضل البسملة فكيف في الذي متى ما ذكر الله يذكر معه. إن الشيخ من القائلين بحياتهم إذ قال في سيرته الأسرار الربانية في المقدمة : أمرني أن أصنف مولداً وبشرني أنه يحضر في قراءته .. الخ ,وان الكلام في حياتهم مشهور. ( أمل ) يريد اظهر ما يجوز في حقهم أو يقصد أمل من الإملاء وهو إلقاء الكلام للآخر يعني ألقيت إليك ما عرفته عنهم , ثم تكلم في السمعيات فقال :
ويجب الإيمان بالجنان
والحوض والساب والنيران
( ويجب الإيمان ) أي يتحتم على المكلف التصديق. ( بالجنان ) جمع جنة يجب الإيمان بها وهي دار الجزاء وما يعطيه الله من فضله وهي ثمان أفضلها الفردوس فالمأوى فالخلد فالنعيم فعدن فدار السلام فدار الجلال على ما رواه ابن عباس والداخلين الجنة مرداً بيضا على طول ستين ذراعاً وعرض سبعة أذرع ليس لأحد لحية ألا آدم وبعد الحشر يساوي الصغير الكبير حتى أطفال المشركين على الراجح وهي موجودة نزل منها آدم فنسأل الله أن يدخلنا فيها مع الرسول والمؤلف آمين. ( والحوض ) أي يجب الإيمان بحوض نبينا الذي قال فيه : (حَوضي مَسِيرة شهر، ماؤهُ أبيضُ من اللبن، وريحهُ أطيبُ من المِسك، وكِيزانهُ كنجوم السماء، منَ شَرِبَ منها فلا يَظمأُ أبداً )(1). اللهم اجعلنا من الشاربين, ولكل نبي حوض إلا صالحاً فحوضه ضرع ناقته, ودليله لم سئل النبي  هل في الموقف ماء؟ فقال : ( أي والذي نفسي بيده إن فيه ماء وإن أولياء الله يردون حياض الأنبياء وأن الله يبعث سبعين ألف ملك بأيديهم سياط أو عصي من نار يطردون الكفار طرداً مؤبداً )(2) وقال العقباوي وكذلك أصحاب الأهواء كالقدرية والروافض وما شابههم ولكن طردهم ليس مؤبداً. ( والحساب ) وهو ثلاث أنواع من الله وهو للصالحين فينبئهم بما عملوا سراً ثم يقول قد غفرت لكم, ومن الملائكة ويكون من الله والملائكة معاً وذلك بعد أخذ الكتب باليمين للمؤمنين وبالشمال للكافرين. ( والنيران ) والنيران سبعة موجودة نظمها القائل :
جهنم للعاصي لظى ليهودها
وحطمة دار للنصارى أولي الصمم
سعير عذاب الصابئين ودارهم
مجوس لهم سقر جحيم لذي صنم
وهاوية دار النفاق وقيتها
وأسأل رب العرش أمنا في النعم.
كذا الثواب والعقاب والنشر
ميزاننا الصراط بعد الحشر
( كذا الثواب ) أي يجب الإيمان بالثواب وهو إثابة المطيع على ما عمل في دار الدنيا, ودار الثواب هي الجنة. ( والعقاب ) ويجب الإيمان بالعقاب أي أن الله يعاقب بعض عصاة المؤمنين الذين لم يغفر لهم وجميع الكفار. ( والنشر ) وهو قيام الأموات بعد جمع أجزائهم الأصلية في أرض يخلقها الله يقف فيها الخلائق. ( ميزاننا ) هو على صورة ميزان الدنيا والله أعلم به وقيل صنج توزن بها الأعمال. ( الصراط ) وهو شي ممدود على ظهر جهنم بين الموقف والجنة وقيا أدق من الشعرة وأحد من السيف يرده الأولون والآخرون حتى الأنبياء عليهم السلام والكفار يمرون على أوله ثم ترميهم الملائكة في النار, وهو يتسع ويضيق على الناس بقدر أعمالهم ويتفاوتون في المرور فمنهم من يمر كالبرق الخاطف وكطرفة العين ومنهم من يمر كأجاويد الخيل ومنهم من يسقط في النار ويخرج كالمؤمنين والمعتمد وجوده. ( بعد الحشر ) أي بعد قيام الناس للحشر.
والحور والجن كذا الولدان
والأنبياء الأملاك والتبيان
( والحور ) نساء خلقهن الله في الجنة تلبس الواحدة سبعين حلة. أخرج أبو نعيم أنه  قال : ( يزوج الرجل من أهل الجنة أربعة آلاف بكرة وثمانية آلاف أيم ومائة حوراء. ( والجن ) سموا بذلك لاستتارهم عن العيون وأجمع الثلاثة على أنهم يثابون بدخول الجنة وأختلف الحنفية فمنهم من قال إثابتهم إبعادهم عن النار ثم يقال لهم صيروا تراباً. ( كذا الولدان ) خلقهم الله على صورة غلمان الدنيا جمالهم شديد وفي رؤيتهم فرح وسرور. ( والأنبياء ) عددهم كما حققه المؤلف في النور البراق أربعة وعشرون ومائة ألفا وهم جمع نبي وهو كما سبق ذكر حر بالغ أوحي إليه بشرع سواء أمر بالتبليغ أم لا. ووقع في ذكر عدد الأنبياء حديث أبو ذر مرفوعا ” أنهم مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا، الرسل منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر, صححه ابن حبان.(1) * ( والأملاك ) من جاء ذكره تفصيلا يجب الإيمان به تفصيلاً مثل سيدنا جبريل أمين الوحي واسرافيل أمين الصور وميكائيل أمين الأمطار وعزرائيل أمين الأرواح ومنكر ونكير الموكلان بسؤال القبر ورضوان خازن الجنة ومالك خازن النار ومن جاء إجمالاً كحملة العرش وعون عزرائيل والطوافون بالأرض والملائكة السيارة والحفظة وكاتب الخير وكاتب الشر وقد جاءت بعض الأحاديث بأخبارهم ولكنها ضعيفة. هذا ويجب الإيمان بالنوع. ( والتبيان ) وهي الكتب السماوية والصحف وهي مائة واربعة كتاب يجب الإيمان بها إجمالاً وما جاء تفصيلاً كالقرآن والإنجيل والزبور والتوراة وصحف آدم وصحف إبراهيم وموسى وغيرها.
والأولياء وكل ما أورده
نبينا من حكمه أوجبه
( والأولياء ) جمع ولي مأخوذ من التولية وهي الاكتناف أي من تولاه الله وهم ثلاث فرق والكل تولاه الله تعالى, فرقة نصبت نفسها لبيان الأحكام الشرعية العملية كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم من المجتهدين في مذاهب أهل السنة, وفرقة نصبت نفسها لبيان العقائد التوحيدية التي كان عليها السلف كالأشعري والماتريدي واتباعهما, وفرقة نصبت نفسها لتزكية النفوس وعلاج أمراض القلوب والمجاهدات وإخلاص العمل لله كالجنيد واتباعه, فالثلاث أولياء بلا شك لأنهم نهجوا نهج الرسول  , أما شيخنا  وعنا به فإنه اشتغل بعمل الفرق الثلاث وألف فيهن الثلاث ونبغ فيهن الثلاث كما تقدم بيانه *. ( وكل ما أورده ) أي جميع ما جاء به. ( نبينا ) سيدنا محمد  أي نبي الأمة المحمدية مأخوذ من الإنباء وهو الإخبار وكل رسول نبي ولا كل نبي رسول ولذلك لقب المؤلف الرسول بالنبي وهو جائز. ( من حكمه ) أي أحكام دينية. ( أوجبه ) أي أوجب المعرفة به كعقائد التوحيد والتفقه في الدين بمعرفة ما لنا وما علينا واتباع نهجه ونهج أصحابه.
وكلمة التوحيد عمت كل ما
ذكرته فاذكر لها لتغنما
( وكلمة ) أي تقول بكلمة أو بنطق. ( التهليل ) أي لا إله إلا الله محمد رسول الله. ( عمت ) أي شملت. ( كل ما ) كل بدل أو تأكيد و ما موصولة بمعنى الذي . ( ذكرته ) من إلهيات ونبوات وسمعيات, يعني عندما تقول لا إله إلا الله تكون قد نزهته تعالى عن تعدد الذات فأثبت الوحدانية وأثبت الألوهية ومن ثبتت له الألوهية وجب في حقه كل كمال, فثبتت في حقه الصفات العشرون المذكورة كالوجود والقدم والبقاء . . . الخ فتكون قد أثبت الإلهيات ولما تقول محمد رسول الله أثبت له الرسالة فوجب في حقه  الأمانة والصدق والتبليغ والفطانة و أثبتها في حق إخوانه من النبيين والمرسلين وأثبت النبوة والرسالة لهم على وجه العموم وحينئذٍ تكون قد أثبت النبوات ولما تعتقد أن سيدنا محمد  رسول الله وجب عليك أن تؤمن بكل ما جاء به من حشر ونشر وصراط وجنان وميزان وملائكة وجن إلى آخر السمعيات فبهذا تكون قد حوت جميع ما ذكر من أصناف العقيدة. ( فاذكر ) أي كرر بعقل وقول وفهم. ( لها ) أي لكلمة التوحيد التي هي لا إله إلا الله. ( لتغنما ) أي لتفوز في الدارين كما ذكر في فضلها وهنا نذكر بعض الفوائد : قال سيدي محمد عثمان المؤلف في شرحه للتوسلات(1) : هذا الذكر من أعظم الأذكار الموصلة إلى حضرة الغفار. وألف سيدي عبد الله الميرغني رسالة سماها المنة الكبرى من الله في بعض فضائل لا إله إلا الله وهذا منها : أخرج الترمذي والنسائي وابن ماجة وغيرهم قالوا قال رسول الله  : ( أفضل الذكر لا إله إلا الله وأفضل الدعاء الحمد لله ) وقال رسول الله  : ( أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله )(2) وروى الديلمي في الفردوس عن ابن عمر أن رسول الله  قال : ( أفضل العلم لا إله إلا الله وأفضل الدعاء الاستغفار ) وروى أحمد والشيخان عن أبي ذر أن رسول الله  قال : ( ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة وإن زنى وإن سرق فقال أبو ذر وإن زنى وإن سرق قال إن زنى وإن سرق رغم أنف أبي ذر )(1) . وروى أحمد والشيخان عن أنس أن رسول الله  قال : ( يا معاذ ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله صادقاً من قلبه إلا حرمه الله على النار, قال يا رسول ألا أخبر الناس به فيستبشرون قال : إذاً يتكلوا )(2). والكلام فيها مشهور.
هذا ولازم لطريق القوم
وحصل التقوى ودع للنوم
( هذا ) يعني بعد هذا الذي علمت مما يجب لله ولرسله وما اخبروا به إجمالاً وتفصيلاً, ماذا يجب أن تعمل فقال : ( لازم ) أي داوم. ( لطريق القوم ) يعني طريقة التصوف الذي هو رأس الأمر ولذلك قال الإمام أحمد بن حنبل سئل عن تردده على حاتم الأصم قال عنده رأس الأمر, يعني اجتهد في أخذ الطريق والعمل به لأنه لا يتم لأحد دينه إلا بعد اجتهاده بالعبادة بواسطة الشيخ المربي لأنه إن اجتهد لوحده لاشك أن النفس ستبعده بطريق هو لا يعلمه ولا بد من أخذ الطريق على رجل عارف بالله وبأحوال القوم وطبيب للأرواح, ولذلك قال الدرديري : لما نظر أهل الله إلى كثرة المتشبهين وليس بواصلين وكثرة فسادهم واختلال عقائدهم أغلقوا زوايا أبواب الإرشاد وفوضوا الأمر إلى رب العباد واختفوا في الناس فلم يعرفهم إلا من خصه الله بالأنوار الإلهية والسعادة السرمدية فمن تشوقت نفسه إلى سلوك طريق أهل التجريد حتى يستغرق في بحار التوحيد عليه ملازمة التقوى والالتجاء إلى الله والتوسل إليه برسوله عليه الصلاة والسلام أن يجمعه على شيخ عارف يربيه ويخرجه من الظلمات النفسية ويصفيه ويسقيه من خمرة المحبة ويصافيه, فإذا علم الله صدقك أطلعك عليه, فإذا اجتمعت عليه فكن كالميت بين يديه وقل الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله, ثم خذ في الجد والابتهال وجد بنفسك لا بالمال, انتهى. ومن أراد دخول هذا الديوان فعليه بترك الحسد والحقد وحب الجاه والصيت والمحمدة والرياسة والشهوات والكبر والرياء والعجب والنفاق والغرور وبغض أحد من الخلق لغير غرض شرعي ونحو ذلك فإذا زالت عنه اتصف باضدادها مثل الشفقة والرأفة على الخلق حتى يحب لغيره ما يحب لنفسه والإخلاص وحسن الخلق ومجاهدة النفوس وهي سبع الأمارة بالسوء, اللوامة, الملهمة, المطمئنة, الراضية, المرضية والكاملة وهي اعظم النفوس ولا ينقطع ترقيها أبداً لأن الكامل يقبل الكمال ثم لم تزل تترقى حتى تشهد علم اليقين وهو مشاهدة الحق قبل كل شيء من الأكوان ثم حق اليقين وهو مشاهدته تعالى في كل شيء بلا حلول ولا اتحاد ولا اتصال ولا انفصال كالمرآة ترى فيها وجهك بلا وجهك فيها وهو مشهد ذوقي لا يدركه إلا أهله, وصاحب هذا المقام حركاته حسنات وأنفاسه عبادات, قال سيدنا محمد وفا في مثل هذا المقام :
وبعد الفنا بالله كن كيفما تشا
فعلمك لا جهل وفعلك لا وزر
ولذلك قال الله تعالى :  لهم ما يشاءون عند ربهم  لعلمه بأنهم لا إشارة لهم إلا ما يرضيه, وقال ابن الفارض :
فليصنع القوم ما شاءوا لأنفسهم
هم أهل بدر فلا يخشون من حرج
وللشيخ فضائل لا تحصى فمنها أنه طبيب النفس ومخلِّص من أمراضها الفتاكة وإن كان قد تخلص حتى وصل إلى النفس الكاملة فلا شك من أن لها أمراض فلذلك قال سيدي البكري :
النفس حية تسعى ولو بلغت مراتبها السبعُ
فالسائر إلى الله تعالى لابد له من الدليل المخبر عن الطريق لأن السير في الطريق إلى الله صعب فيه جبال شامخات وبحار هائجات ووحوش ضاريات وأكواخ مظلمات ومصائب عظيمات إذ فيه ترك المألوف من الطعام والماء والمال فلا بد ممن قد سلك الطريق من قبل حتى وصل للغاية لتتبعه لتعرف السهل وتنجو من الوعر فلذلك قيل :
كيف الوصال إلى سعاد ودونها
قمم الجبال ودونهن حتوف
والرجل حافية وما لي مركب
واليد صفر والطريق مخوف
ولذلك قام المؤلف رضي الله عنه بجهد جهيد وأبرز رسالة في معرفة الشيخ الواصل سماها الفتح المبروك فإن أردت حق المعرفة فعليك بها لأنه خبر بالدليل ولأنه سار في الطريق فعرف القصير والطويل. ( وحصل التقوى ) أي اجتهد حتى تنال التقوى وقد سئل عنها سيدنا علي كرم الله وجهه فقال : الرضا بالقليل والعمل بالتنزيل والاستعداد ليوم الرحيل. وقيل هي أن لا يجدك الله حيث نهاك ولا يفقدك حين أمرك. ( ودع للنوم ) أي أترك النوم وهو غفلة القلب فلذلك قال الله تعالى :  نسوا الله فأنساهم أنفسهم  وقال أيضاً :  اذكروني أذكركم  وقال أيضا :  أنا جليس من ذكرني  فالرجال تغمض أعينها ولكن قلوبهم يقظة فلذلك إنما يطلق النوم في هذه المواضع كناية عن الغفلة والله أعلم.
وبادر التوبة كن شكارا
لنعمٍ وللبلا صبارا
( وبادر ) أي أسرع. ( التوبة ) معناها الرجوع إلى الله, وأركانه ثلاثة أولها الندم على ما وقع من المخالفات لمراعاة حق الله تعالى, وثانيها العزم على أن لا يعود لمثله, وثالثها الإقلاع عن الذنب في الحال. وتصح التوبة من ذنب دون آخر بخلاف السير إلى الله تعالى فإنه لا يصح إلا بالتوبة من الجميع فتجب المبادرة إليها وتأخيرها ذنب آخر فلذلك أتى الشيخ بكلمة بادر, ولا تنقض التوبة بالرجوع إلى الذنب بل تجب عند كل رجعة توبة ولو في اليوم ألف مرة. ( وكن شكارا ) أي كثير الشكر والشكر في اللغة فعل ينبئ عن تعظيم المنعم واصطلاحاً قيام العبد بما خلق لأجله ولاستعظام هذا المقام قال الله تعالى :  وقليل من عبادي الشكور . ( لنعم ) الشيء الذي انعم الله به عليك من سمع وبصر وقوة. . . . الخ. ( وللبلا ) أي ما ينزل عليك من الشدائد. ( صبارا ) أي كثير الصبر عند البلايا ولذلك قيل لاستعظامه ذكره الله تعالى أربعة عشر مرة ولما مدح الله نبيه أيوب قال :  إنا وجدناه صابراً  وقال القائل :
اصبر فبالصبر تنال أجرا
وتعطى بعد ذلك ما تروم.
وقال آخر :
اصبر فما جزع بمغن عنك شيئاً
إذا ما الله آمرها تكون.
ولذلك تجد من نعماء الله على عباده الصبر, تجد أكثرهم بلاءاً وصبراً الرسل ثم الأمثل فالأمثل.
وكل أمر في الورى تراه
بقدر الله مع قضاه
( وكل أمر ) أي كل ما خرج إلى العالم من بلايا ونعم وخير وشر وفتح وحجب. ( في الورى ) أي في الخلق. ( تراه ) أي رايته أو سمعته أو حكي لك عنه. ( بقدر الله ) القدر هو صفة فعل وهو إيجاد الأشياء على طبق القضاء وقال الأشعرية إيجاد الله الأمور على طبق مراده والصحيح أنه مستور بدليل قول سيدنا علي  حين سئل عنه: هو طريق مظلم لا سبيل إليه. فسئل ثانياً فقال : بحر عميق فلا تلجه. وسئل ثالثاً فقال : سر قد خفي فلا تفتشه. وقال رسول الله  : ( إذا ذكر القدر فامسكوا )(1). ( مع قضاه ) أي كل أمر رأيته بالقدر وأيضا بالقضاء وهو عند الماتريدية : علم الله المتعلق أزلاً بوجود الأشياء, وقال الأشعرية : هو إرادة الله المتعلقة أزلاً بتخصيص الكائنات ببعض الأمور المتقابلة عليها طبق علمه وعلى مذهب الأشاعرة القضاء قديم والقدر حادث وعلى مذهب الماتريدية القضاء حادث والقدر قديم. ويجب الإيمان بالقضاء والقدر ودليله قول رسول الله  حين سأله جبريل عن الإيمان قال:( أن تؤمن بالقدر خيره وشره حلوه ومره وبالله وملائكته )(2)
وحافظ الصلاة في الأوقات
واكثر الذكر تفي الحضرات
( وحافظ الصلاة ) أي لا تفوت وقت الصلاة أي ميعادها المضروب لها, والمحافظة أتى بها القرآن في قوله تعالى :  حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى  ولا سيما إن كانت المحافظة في جماعة فإن فضلها لا يحصى والصلاة لغة هي الدعاء واصطلاحاً عبادة ذات ركوع وسجود وقراءة وسلام. ( في الأوقات ) لها وقتان ضروري واختياري والأفضل الأول .
فائدة في فضل صلاة الجماعة : روى عن عياض بن عبد الله الأنصاري أن رسول الله  قال : ( من صلى الصبح في جماعة كانت له حجة مبرورة وعمرة متقبلة ومن صلى الظهر في جماعة كانت له خمس وعشرون صلاة وسبعون درجة ومن صلى العصر في جماعة كانت كمن أعتق أربع رقاب من ولد إسماعيل ثمن كل واحد اثني عشر ألف ومن صلى المغرب في جماعة كانت له خمس وعشرون صلاة وسبعون درجة ما بين كل درجتين مسيرة مائة عام في جنات عدن ومن صلى العشاء في جماعة كان كمن صادف ليلة القدر بصيامها وقيامها ونجاه الله من النار ) نقله السحيمي في فضائل رمضان. ( واكثر الذكر ) أي اشتغل بذكر الله كثيراً قال الله تعالى :  والذاكرين الله كثيراً والذاكرات  وقال أيضاً :  والذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم  وقال أيضاً :  اذكروني أذكركم  وفي الحديث القدسي : ( أنا جليس من ذكرني ) وقال رسول الله  : ( اذكر الله حتى يقولوا أنك مجنون ) (1) وقال  : ( إذَا مَرَرْتُمْ برِيَاضِ الْجَنَّةِ فارْتَعُوا، قالُوا وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ؟ قالَ حِلَقُ الذِّكْرِ ) (2). وأخرج الطبراني عن عمر بن عنبثة  قال قال رسول الله  : ( .... عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين رجال ليس بأنبياء ولا شهداء يغشي بياض وجوههم نظر الناظرين يغبطهم النبيون والشهداء بمقعدهم وقربهم من الله هم جماعة من نوازع القبائل يجتمعون على ذكر الله تعالى فينتقون مطايب الكلام كما ينتقي أكل التمر التمر ) وقال البدوي  :
يقولون مجنون وسر جنوننا
هيام بذكر الله يشهده النقل والكلام في فضله مشهور. ( تفي الحضرات ) أي تدخل الحضرات وهي جمع حضرة مأخوذة من الحضور وإجماع القلوب في ميادين الوصول هكذا فسرها الإمام الختم  وعنا به.
ولازمن على النبي الصلاة
وحبـه وآلــه الثقـاة
( ولازمن )بالتأكيد على الملازمة وهي المداومة على فعل الشيء ( على النبي ) أي سيدنا محمد  ( الصلاة ) وهي من المخلوقات طلب الرحمة ومن الله عين الرحمة أي أكثر من الصلاة على النبي, وقال العلماء بوصولها دون غيرها من الأذكار. وعن سعيدِ بن المُسَيَّبِ عن عُمرَ بنِ الخطَّابِ ، قال: إنَّ الدُّعَاء مَوْقوفٌ بين السماءِ والأرضِ لا يَصْعَدُ منهُ شيءٌ حتى تصلِّيَ على نَبِيِّكَ .(1) وقيل حين يصلي الرجل على النبي  يضمر نفعها له دون النبي  والكلام فيها مشهور. ( وحبه ) أي حب رسول الله  , أتى رجل الرسول فذكره الآخرة فخاف الرجل فقال ليس لي عمل لذلك اليوم سوى حبك وحب آل بيتك, قال : أنت معنا.(2) وقال رسول الله  : ( أنا وفاطمة وعلي وأبناءهما ومن أحبنا نشرب ونأكل حتى يفصل الله بين العباد )(2) وقال  : ( الرجلُ يُحبُّ القومَ ولما يَلحقْ بهم. قال: المرءُ معَ مَن أحب )(3) ( وآله ) أي آل الرسول , ففي مقام الدعاء هم كل مسلم ولو عاص, وفي تحريم الزكاة هم كل من خلق من ماءه أو ماء عميه وهذا الذي عليه الجمهور, قيل من حرم عليهم الزكاة هم أهل الصلاة وفضلهم مشهور قال رسول الله  : ( أَمَّا بَعْدُ. أَلاَ أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ. وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللّهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ. فَخُذُوا بِكِتَابِ اللّهِ. وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ» فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللّهِ وَرَغَّبَ فِيهِ. ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي. أُذَكِّرُكُمُ اللّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي. أُذَكِّرُكُمُ اللّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي. أُذَكِّرُكُمُ اللّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي )(1) وقال رسول الله  : ( أل بيتي كسفينة نوح من ركب فيها نجا ومن تخلف عنها غرق )(2) وقال أيضاً : (إنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي؛ أحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ كِتَابُ اللّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاء إلى الأَرْضِ وعِتْرَتِي أَهْل بَيْتِي وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفونِي فِيهمَا) (3). قال الإمام الشافعي  :
إن كان رفضاً حب آل محمد
فليشهد الثقلان أني رافضي
وقال الشيخ محي الدين بن العربي :
رأيــت ولاء آل طـــــــــه فـريـضــةً
على رغم أهل البعد يورثني القربا
فما طالب المبعوث أجرا على الهدى
بتبليـغه إلا المـودة في القـربى
فقد اعتنى العلماء بشأنهم وألفت فيهم المؤلفات والمختصرات وأشهرهم النبهاني فقد ألف كتاباً سماه الشرف المؤبد لآل محمد. والإمام العدني خصص بابا كاملاً في كتابه مشارق الأنوار في ذكرهم. ( الثقاة ) أي الذين ليس في حقهم جرح.
وحقق الرجاء والخـوف معا
وأكثر استغفار حق والدعا
( وحقق ) أي أجمع, وحقق من الحقيقة وهي وقوع الشيء على وجهه الأصح. ( الرجاء ) في رحمته وعفوه. ( والخوف ) من سخطه وغضبه والرجاء والخوف متلازمان كتلازم جناحي الطائر إذا فقد أحدهما عجز عن المطير ويستحب تغلب الخوف على الرجاء في الصحة لأجل الاجتهاد في العبادات والطاعات, وتغليب الرجاء على الخوف في حالة المرض لأنه حال قدومه على الكريم.( معا ) أي استواء الحالتين من خوف ورجاء. ( واكثر استغفار ) أي استغفر الله كثيراً وقيل الاستغفار من أفضل الدعاء وهو طلب المغفرة. ( حق ) لك فيها معنيان إما أن تجعلها اسم من أسمائه تعالى حذفت الألف واللام لأجل أن لا تنكسر السجعة, أو تقول حق بحضور القلب لأجل أن تحصل لك حقيقة الاستغفار. ( والدعاء )أي طلب كشف الكرب أو جلب الخير من الله.
واترك الغيـبـة والنـميمة
والكبر والعجب وكل ذميمة
( واترك ) يعني دع أو تجنب أو خلّ. ( الغيبة ) وهي ذكر الرجل بما يكره في غيابه. ( والنميمة ) وهي نقل الكلام من واحد إلى آخر أو تتبع عورات الناس أو إشعال الفتن بين الناس. ( والكبر ) وهي خصلة مذمومة ومهلكة تلاقي السالك وهي رؤية النفس أعلى من الغير وهي التي أخذت إبليس وأخرجته من الرحمة فلذلك يكثر ذكرها عند المشايخ ليبعد المريد عنها ويتجنبها, قال رسول الله  في حديث يرويه عن ربه: ( الْكِبْرِياء رِدَائِي وَالْعَظَمَةُ إزَارِي، فَمَنْ نازَعَنِي فيهما قصمته فِي ناري )(1)ِ. واتى بها السيد محمد سر الختم حيث قال الكبرياء رداء الله والعظمة
إزاره فمن ينازع فيهما قصمه وقال رسول الله  : ( من تواضع لله رفعه )(2). ( والعجب ) وهو إكبار ما عمله من عبادات وطاعات, والذي لا شيخ له لا يستطيع أن يتخلص من هاتين الصفتين*. ( وكل ذميمة ) أي كل شيء ذمه الواصلون وعرفوا حقيقة أنه قاطع.
كحسد كذب مع الرياء
وكل ما يبعد عن العلاء
( كحسد ) الحسد هو طلب زوال النعمة من الغير وهو قبيح لذلك سماه الشيخ ذميمة. ( كذب ) هو إظهار شيء غير الواقع ولذلك قال سيدنا علي زين العابدين يوصي ابنه محمد الباقر لا تصحب كاذبا فإنه بمنزلة السراب يقرب البعيد ويبعد القريب. ( مع الرياء ) وهو إظهار العمل ليراه الناس*. ( وكل ما يبعد ) يعني كل شيء يحول بينك وبين العلاء** ( عن العلاء ) العلاء هو القرب من الله تعالى.
وحضر الفؤاد في الأعمال
لترتـقي مراتب الرجـال
( وحضر ) التحضير هو طلب شيء له فائدة في المقدوم عليه. ( الفؤاد ) أي القلب أو الروح وغالباً ما يطلق على القلب. ( في الأعمال ) أي الأعمال النافعة من صلوات وأذكار وجميع أصناف العبادات, يطلب منك تحضير القلب. قال الرسول  في حديث رواه عن ربه : ( ما وسعني ارضي ولا سمائي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن )(1). وقال سيد لقمان للقمان أخبرني بأحسن شيء في بني آدم وأقبح شيء فيه , قال هما القلب واللسان إن صلحا صلح الإنسان وإن فسدا فسد . وقال الرسول  : ( الحَلالُ بَيِّنٌ، وَالحَرامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهما مُشَبَّهاتٌ لا يَعْلَمُها كثيرٌ منَ الناسِ. فمنِ اتَّقى المُشَبَّهاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينهِ وعِرْضِه، ومَنْ وَقَعَ في الشُّبُهاتِ: كراعٍ يَرْعَى حَوْلَ الحِمى يُوشِكُ أنْ يُواقِعَه. ألا وإِنَّ لِكلِّ مَلكٍ حِمى، ألا إِنَّ حِمَى اللهِ فِي أرضِهِ مَحارِمُه. ألا وإِنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً: إذا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسدُ كلُّه، وإذا فَسَدَتْ فَسَدَ الجسَدُ كله، أَلا وهِيَ الْقَلْبُ )(2). وقال الشاعر :
ما سـمي القـلب إلا من تقـلـبـه إحذر على القلب من قلب وتحويل
( لترتقي ) أي لتصعد. ( مراتب الرجال ) الذين فازوا بالقرب ورفعت عنهم الحجب وتفانوا في الحب, قال السيد جعفر الميرغني :
وليس عليهمو يا ذا عزيز فكم لحق الأصاغر للأكابر وتحظى بالفتح من الرحمن
وتهنأ بالأمن من الديـان
( وتحظى ) أي تنال أو تدرك. ( بالفتح ) أي معرفة ما كان مخفياً عليك والفتح فتحان أكبر وأصغر وأقل درجات الأصغر تكليم الجمادات قاله السيد المحجوب. ( من الرحمن )أي لتنال الفتح من الله والرحمن من أسمائه تعالى وهو المنعم بجلائل النعم كالإيمان والصحة والبصر. ( وتهنأ ) أي التطامن على دوام نعمتك لأنه لا يؤمن مكر الله. ( من الديان ) أسم من أسمائه تعالى المصطلحة, يعني تكون مع الذين قيل في حقهم :  فبدل الله سيئاتهم حسنات  أو الذين لا تضرهم الذنوب.
خير المناهج اتباع المصطفى
لازم عليه صـلى معطي الوفا
( خير المناهج ) أي خير الطرق وأسلمها. ( اتباع المصطفى ) أي تقليده وتقليد المعصوم معرفة واتباع يكون في أفعاله وأقواله ومعاملاته ما استطعت لأنه أكمل بشرية خلقت فمن باب أولى لا يلحق فيما كان عليه من أعمال, والمصطفى من الاصطفاء وهو الانتقاء واصله مصتفى بالتاء فقلبت طاءاً لوقوعها بعد حرف الإطباق وهو الصاد إذ القاعدة الصرفية : تاء افتعل إذا وقعت بعد حرف من حروف الإطباق تقلب طاءاً, ففي الخبر سيري وسير الخلفاء الراشدين من بعدي عضو عليها بالنواجذ )(1), والاتباع ضد الابتداع جعلنا الله من المتبعين. ( لازم عليه )أي لازم على اتباع المصطفى ومن كان من أهل السنة واشدد يديك عليه لأنه فيه النجاة. ( صلى ) أي ترحم أو أنزل الرحمة. ( معطي الوفا ) أي الذي يعطي الوفاء لعباده ليتخلقوا به والوفاء إعطاء الشيء كما أُستُلم, أي معطي عباده الدين ومستلمه منهم, قال رسول الله  : ( لا تقوم القيامة إلا على لكع ابن لكع )(2), وقال : ( لا تشقى أمة أنا أولها والمهدي أوسطها وعيسى آخرها )(3).
علـى النبـي وآلـــه والصحـب
ما انهل غيث أو جرى في السحب
( على ) يعني نطلب من الله أن ينزل على النبي الرحمة فطلب الرحمة للنبي والفائدة للمصلي ودليله قوله  :
(مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً، صَلَّى الله عَلَيْهِ عَشْراً )(4), ففائدة صلاته على النبي صلاة الله عليه, وفي رواية يخلق الله من صلاته ملك يصلي عليه إلى يوم القيامة الخ الأحاديث وكلها تفيد أن الفائدة للمصلي, والتعبير بالنبوة أبلغ من الرسالة كما سبق بيانه وهذا دليل على بلاغة الأستاذ. ( وآله ) الذين قال الله فيهم :  قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى  والقائل فيهم رسول الله  : ( خيركم من كان لأهلي من بعدي )(1). ( والصحب ) الصحابي سبق التعريف به أي كذلك الصلاة على آله وأصحابه من عطف الخاص على العام والصلاة على الآل سماعية وعلى الصحب قياسية. ( ما انهل ) أي ما نزل. ( غيث ) وهو المطر في زمن الحاجة وقالوا يطلق على جميع الأمطار لأنه يحي الأرض أي يغيثها من الجدب. ( أو جرى ) أي الغيث. ( في السحب ) جمع سحابة وهي الماء المتكثف بين السماء والأرض ولها ملك يصرفها بأمر الله حيث شاء وهو ميكائيل, وقيل إذا غضب الله على قوم مسك السحاب عنهم وقال المفسرون مكانه تحت العرش وقال الجغرافيون تسلط الشمس على البحار فتحمل منها رزازة صغيرة بواسطة الهواء فتتكثف كلما وجدت جواً رطباً هذا من جهة الظاهر أما من حيث أنها رحمة فلا شك خارج من تحت العرش وكأن الأستاذ طلب الرحمة للرسول وآله وأصحابه كلما جاءت السحب وجرى الماء فيها فتكون رحمة للرسول وآله وأصحابه. بدأ الشيخ العقيدة بالصلاة على الرسول وختمها بها لتتهيأ للقبول لان الرسول  قال : ( الدعاء بين السماء والأرض حتى يصلى علي )(2) وقال ( من صلى علي في كتاب لا تزال الملائكة تستغفر له ما دام اسمي في ذلك الكتاب ) (3) . تمت في ليلة الاثنين سابع عشر شعبان المكرم من سنة أربعة وثمانون بعد الألف والثلاثمائة للهجرة النبوية الشريفة الموافق الحادي والعشرين من ديسمبر من سنة أربعة وستون وتسعمائة وألف ميلادية ز والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لو أن هدانا الله, والحمد لله ملء السموات وملء الأرض وله الشكر في كل وقت وأوان.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
شـــرح منجيـــة العبيــد في علم التوحيــد .
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: مكتبة السيـــر والتـآليــف-
انتقل الى: